بـول ايـلوار.. شاعر المقاومة و الحرية

طباعة


ولد بول ايلوار واسمه الحقيقي يوجين اميل بول غرنيدل في الرابع عشر من كانون الاول 1895 في سانت دينيس في فرنسا. من والدين كادحين الاب عامل و الام خياطة ثياب. حيث اكمل دراسته في باريس لكنه انقطع عنها بسبب مرض اصاب صدره . الا انه لم ينقطع عن قراءة الشعر و خاصة شعراء المدرسة الاجتماعية الذين كانوا يعبرون عن الحياة الاجتماعية في المجتمع.
و تعرف على الدادائييين و السوريالين فكانت له صداقة عميقة مع بريتون و اراغون و دالي و بيكاسو حتى انه اصدر مجلة سماها ( الثورة السريالية ).
عاش ايلوار حياة معقدة انتقلت من عهد الى عهد . فمن ذكريات طفولته الاولى اخذ العوالم المحيطة به. حيث اتسمت بصورة الريف الموحش الى جانب اعمدة الدخان الكثيفة و واجهة الكنيسة الوردية الغبراء و الطرق المليئة برماد الفحم الحجري وبالسواقي المخبئة خلف اسوار الحديقة.
انتقل بعدها الى عالم الحرب حيث تنازعته امواج الحزن و اليأس عندما وجد بلده فرنسا تقع فريسة للغزو الالماني فانتظم في جبهة الحرب.
انضم الى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1932 و قبل ذلك اشترك عام 1930 في المؤتمر العالمي الثاني للكتاب الثوريين في العالم في الاتحاد السوفياتي . و لقد كان لعام 1942 طعم خاص عند ايلوار فهي السنة التي التحق بحركة المقاومة الفرنسية، وهو الشاعر الثوري الذي كان يطوي المنشورات المحرضة على المقاومة الشعبية ضد الاحتلال النازي فأصبح بعدها ملاحقا من قبل الغستابو ( المخابرات النازية ) مما اضطر الى ان يبحث عن ملجأ مثل كل المنضمين الى صفوف المقاومة السرية حيث جلب معه الى ملجئه عالمه و زوجته و رفيقة نضاله غالا. حول ملجأه الى متحف صغير لاعمال بيكاسو و ارنست و ماكس.
كل تلك الصور التي عاشها ايلوار اوحت له ان يكتب أجمل القصائد التي تجاوز بها الافاق من معان و صور و مدارس في النظم قدمت له تلك الفورة الشعرية التي جعلته دائما يبحث عن مضاعفة نشاطه في المتابعة لقضايا الشعب و يحلق في اجواء الشعر.
كما ساعد في تحرير مجلة الاداب وفي عام 1944 انشأ المجلة الادبية . حيث كان ايلوار يرى الكاتب كالمقاتل يتحرك دائما الى الامام و يتحصن بخندق المعرفة ليواجه الرياح العاتية وفي شعره يوحي تردد الكثير من اسماء المدن توحي بصور الاحلام التي كانت مرتبطة بفكرة تغيير العالم.
و قبل الحرب التي شارك فيها كتب ابيات عن الحب المبكر لكن الابيات التي نشرها بعد عام 1917 حملت صور التعاسة و الحزن و صور المقاومة بكل جوانبها. ونظرا الى تلك الصرخة المقرونة بالفعل والتي مجدتها شعوب الارض قاطبة و فتحت لها الطريق الواسعة لتدك قلاع التسلط وتقاوم الاحتلال.
كان يرى في المقاومة التي تستند الى القاعدة الشعبية الجماهيرية الواسعة بوابة شريفة تقود الى حرب مقدسة تشد الابصار والعقول الى جبهات بوجه العدو. كان يرى رياح الحرية تتحرك في الشوارع النظيفة و الموحلة و بين القصور المترفة و دروب الريف . و قلبه يدق من الاخبار التي تاتي من البلدان حيث تتقدم المقاومة و تثير احداثها مخيلة الكتاب و الشعراء الشرفاء فيقول ايلوار في مذكراته .
و كان الادباء الاحرار يرون في حالات الاحتلال الاستعماري الشر المطلق و الموت البطيء للشعب المحتل و في المقاومة حالة الخير و الخصب الذي تحتاجه الروح و الارض ولم يكن ايلوار يخفي في قصائده انه كان يهوى الحدائق و الجداول و الغابات الفسيحة و في عام 1936 قرأ لاول مرة شعرا حارا وكانت تلك رياح قادمة من اسبانيا هي قصائد للشاعر(فردريكوغارسيا لوركا) وجد فيها ما يبحث عنه و اراد ان يضعها في متناول جميع قراء الفرنسية و شارك في مؤتمرات عديدة للسلام وصار عام 1948 داعية للسلام و الحرية في عدة دول.
لم ينقطع عنم الكتابو و المؤتمرات و المظاهرات حتى آخر انفاسه في 18/تشرين الاول/1952 و ترك اشعاره للاجيال القادمة.
ولهذا الشاعر المقاوم مؤلفات عديدة و من اول اعماله (قصائد اولى) عام 1913 و عقبها مجموعة (حوارات عديمة الجدوى) و جعله ليل الاحتلال القاسي يكتب اجمل القصائد و على الرغم من ان بدايته كشاعر سوريالي فقد تحول الى الواقعية الاشتراكية و كتب الشعر السياسي و قصائد جميلة للحب. فأصدر 1944 قصائد (أهل الحياة) , (في موعد الماني) , (الى بابلو بيكاسو ) حتى انه استحق عليها وسام المقاومة . و ايضا من اهم مؤلفاته (المهمة و الثورة) ,(قصائد لأجل السلام), (مت و كن). انتقد في هذه المجموعات الحروب و مشعليها و الخراب الذي تخلفه والمآسي التي تنزل بها على البشرية.
و في مجموعة (الحياة المباشرة ) تناول ضرورة النضال ضد النظام البرجوازي. و في مجموعة (سبع قصائد حب اثناء الحرب ) تناولت المقاومة و ظروفها القاسية. بالاضافة الى اعمال اخرى (الحب و الالم) ,(الانتصار في قاف), (التيار الطبيعي ),(انشودة كاملة ),(كتاب مفتوح ).
و في قصيدته (شعاع الحرية ) يقول ايلوار:
في تفاصيل الغياب دون رغبة
في ليل و نهار الوحدة العارية
و في جوف خطوات الموت
اكتب اسماءكم
هل تعرفون..........؟
من اماني العيش الرغيد
واصوات الخطر
وبقايا الامل
و ذكرى الوطن المحدد تحت خيمة الفجيعة
أبدا حياتي بين الحزن و الامل
تحاوروني كلمة......
الحرية
لاشيء سوى الحرية....
و كتب ايلوار في ديوانه (الواجب و الجزع وقصائد للسلام):
كيف التمتع بكل شيء
الافضل نحو كل شيء
رجال كل الحركات... كل التضحيات
كل الغزوات
نيام نيام نيام
بتنهداته يخر الليل الضئيل غير المرئي
و هو لا يشعر بالبر و لا بالبحر
سجين فر لكي ينام
انه لم يمت انه ينام.
و كتب الشاعر الفرنسي بول إيلوار سنة 1938، في ذكرى حَرْق مدينة "غرنيكا" الإسبانية بنيران القوات النازية المتحالفة مع الجنرال فرانسيسكو فرانكو قصيدة انتصار غرنيكا :
روعة عالم من اكواخ
و ليل و حقول
وجوه تحترق وجوه تتراجع الى البعيد
رفضا لليل رفضا للاهانة رفضا للرصاص
وجو صالحة لكل شيء
ها هو الفراغ يحاصركم
لكن موتكم سيبقى مثلا أعلى للجميع
الموت قلب مقلوب
دفعتم ثمن خبز
و سماء و ارض و ماء و نوم
و بؤس
حياتكم
أصروا و أفرطوا فتبرأت منهم الانسانية
ايها الرجال لمن وهب هذا الكنز
ايها الرجال باي حق اتلف هذا الكنز
ايها الرجال الحقيقيون يا من يغذي اليأس
نيران الامل في صدورهم
لنفتح سوية آخر البراعم الغدوية

سربست شيخي

18 - أيار - 2012