فلتان التسعير والأسعار «المرنة» والغلاء... احتكار وأزمات مفتعلة وإثراء على حساب الشعب

طباعة


صدرت في الفترة الماضية العديد من التصريحات حول الوضع الاقتصادي وقضايا التضخم والغلاء والصعوبات المعيشية عن بعض السادة المسؤولين عن الشأن الاقتصادي. وعرضت مقابلات ونشرت لقاءات وأحاديث عديدة في هذا الشأن بعضها حمّل المواطن كلياً أو جزئياً مسؤولية حماية حقه والدفاع عن نفسه كمستهلك وإعلام الجهات المعنية بحالات الغش والتدليس ورفع الأسعار والتعاون مع حماية المستهلك وإرشادها لذلك!!..
وبعضها طالبه بالشجاعة بالقيام بالأمر واتهمه آخر بالتقصير في ذلك ولسان حال أولئك «العتب» وتحميل المواطن المسؤولية لأنه لا يتأقلم ويتكيف مع ميزان العرض والطلب وتقلبات سعر صرف الدولار ارتفاعاً بالنسبة للعملة الوطنية ولأنه لا يقوم نيابة عن «هيئات حماية المستهلك ومع الاحتكار وتشجيع المنافسة والتصدير والمواصفة والجودة والرقابة التموينية والتسعير والاقتصاد والتجارة والمحافظة والمديريات المعنية والحكومة ووزرائها المعنيين وغير المعنيين والمصرف المركزي ويا نصيب المعرض ... الخ».
لا يقوم نيابة عن هؤلاء جميعاً بالقبول بتحرك الأسعار ارتفاعاً أو باتخاذ الإجراءات اللازمة أو تنفيذ مهام تلك الجهات ووظائفها بحماية المستهلك ووضع حد للغلاء ومراقبة الأسعار ومنع فلتانها ومنع الغش والتلاعب بالمواصفة.
باعتبار أن تلك الجهات «مشغولة» بإعداد الخطط والبرامج والدراسات الطويلة الأمد والتوقعات الوردية ليقوم السوق بتصحيح نفسه ويتوازن وتعود الأسعار «مضبوطة» على إيقاع السوق!! الذي تم تحريره وما زال بعضهم يصر على استمراره دون قيد أو رقابة أو إجراء فاعل يحد من فلتانه.
واتهم آخرون المواطن ذاته أو جزء منه بأنه وراء بعض الأزمات أو أن سلوكه ساهم في زيادة حدة بعض الأزمات المفتعلة وأن حاجته وقلقه وراء أزمة أسطوانات الغاز التي تكّشفت بعد أن زادت أسعارها أو استهلاكه للكهرباء للتدفئة عوضاً عن المازوت كان سبباً آخر للدهشة والمفاجأة وأن قلقه النفسي وراء المصاعب والأزمات أو جزء منها يكمن في ذلك أو ساهم في ذلك كما تم تناقله من تصريحات صادرة عن وزارة الاقتصاد وليس السعي لرفع الأسعار أو تحرير حوامل الطاقة، أو نظام «الأسعار المرنة» القائم الذي يعني فلتان التسعير تحت ذريعة حرية التسعير وتحرير التجارة الذي تم وما زال مستمراً في أوقات الحصار والعقوبات والصعوبات.
وتلك التصريحات وتقاذف المسؤولية وإيجاد المبررات تلو المبررات تعني عدم معالجة المشكلة القائمة والمتمثلة بوجود حالة حصار وعقوبات وحرب استعمارية ضد سورية تتطلب سياسة اقتصادية تتناسب وهذا الوضع ومضمونها استمرار تأمين الحاجات الأساسية، والمتطلبات الأساسية للإنتاج الوطني ومعيشة جماهير الشعب ومتابعة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز الاستقرار الداخلي وتلبية احتياجات المواطنين من خلال دور فاعل في جميع المجالات للدولة وخاصة تجارة الجملة الداخلية وإيصال السلع والمواد الأساسية بأسعار مناسبة والحد من الغلاء ومن تراجع القيمة الشرائية للأجور.
صدرت تصريحات عديدة حول الوضع الاقتصادي والمعيشي ومنها ما تفضّل به السيد وزير الاقتصاد وعرضته الفضائية السورية مؤخراً وما تناقلته وسائل الإعلام المحلية ولاشك بأن التأكيد بأنه لن يتم رفع سعر الخبز أمر هام وراهن وكذلك الإشارة إلى أن الحكومة تعمل على تصويب القرارات والسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية ولكن السؤال متى سيبدأ فعلاً هذا «التصويب» مع أن المطلوب هو القطع مع تلك السياسات التي نفذت خلال الخمسية العاشرة.
وأشار إلى أن ما يتم في سورية حالياً ليس «تعويماً» للعمل بل هو نظام أسعار مرن أي أن مصرف سورية المركزي يتدخل لضبط حركة الصرف ولكن بدرجة أقل من السابق مع مراعاة قوى العرض والطلب!!
أما من يتدخل لصالح المواطن لتعويض آثار هذا النظام للتسعير «المرن» فهذا على ما يبدو ليس من الوارد توضيحه أو اتخاذ إجراءات حوله وأورد المسؤول الاقتصادي مثالاً لتقاذف الكرة التي هي معيشة الناس بين الجهات المسؤولة المعنية بالحديث عن أن تقلب الأسعار في سورية هو التضخم أي أن «مصرف سورية المركزي» هو المسؤول عنه، وليس «وزارة الاقتصاد» والتي مهمتها «مراقبة الأسعار فقط» ومثلاً إذا كان سعر كيلو غرام السكر /50/ ليرة سورية وانخفضت العملة السورية بنسبة /30%/ فمن «المفروض » نظرياً ومن الناحية «الاقتصادية» و «الميكانيكية» أن يصبح سعر كيلو السكر /65/ ليرة سورية وهنا وهذا الاكتشاف العبقري لتقاذف الكرة تصبح وزارة الاقتصاد مسؤولة، فقط إذا تجاوز بيع كيلو السكر الواحد الـ /65/ ليرة وما دونها ليس شأنها كما يفهم من المثال بل شأن التضخم!! ويطلب من المواطن ألا يتأثر وأن يدفع «راضياً مرضياً» فارق السعر «النظامي» حسب المثال ومضافاً إليه نفقات ونثريات خلافه.
وهكذا فإن انخفاض قيمة العملة الوطنية مقارنة بسعر الصرف مثلاً /30%/ تعني رفع الأسعار بأكثر من /40 ــ 45%/ وهبوط القدرة الشرائية من الجهة التي يجب أن تتدخل هنا في حالات هبوط القيمة الشرائية للأجور؟ واستمرار الحال مع تقاذف هموم المواطنين وفلتان الأسعار ومع مثل هذا التصويب يعني المزيد من الصعوبات الحياتية للمواطنين ومزيد من تكوين ثروات غير مشروعة لأثرياء الحرب والأزمات وتجار الأسعار المرنة وجهابذة التحرير الاقتصادي.
وهؤلاء تناسوا منذ زمن بعيد جداً «الضمير والوجدان» إن كان موجوداً والسعر لن يصبح «صحيحاً» بتلك الأدوات بل بدور تدخل فاعل للدولة وأن توسع هذا الدور الذي تقوم به في مجال تأمين الخبز والمحروقات وجزئياً بعض السلع والمواد التموينية، وأن تمنع الاحتكار وتحد من استيراد الكماليات وتضع حد لارتفاع الأسعار مع إعادة النظر بالسياسة النقدية وتدهور القيمة الشرائية للأجور والمداخيل التي فقدت على أسعار الصرف أكثر من /50%/ من قيمتها والعمل للتعويض للمواطنين عن تراجع القدرة الشرائية لأجورهم ومداخليهم باشكال وتقديمات شتى مدعومة من الدولة.
ومن الهام اتخاذ إجراءات فعلية يشعر بها المواطنون وتلامس حياتهم اليومية إيجاباً وتؤدي لتشجيع وزيادة وحماية الإنتاج الوطني وتشغيل منشآت القطاع العام وتوفير جميع الإمكانيات اللازمة للموسم الزراعي القادم.

م. عمر كرم

18 - أيار - 2012