أصدر السيد رئيس الجمهورية مرسوماً قضى بتحديد يوم الأحد الواقع في 26/2/2012 الجاري موعداً للاستفتاء على مشروع الدستور الجديد.
وقد نشرت الصحافة المحلية الصادرة بتاريخ 16/2/2012 مشروع دستور الجمهورية العربية السورية الجديد الذي أعدته لجنة شكلت بموجب القرار الجمهوري رقم /33/ تاريخ 15/10/2011 الصادر عن السيد رئيس الجمهورية.
ومشروع الدستور الجديد المقدم للاستفتاء العام يأتي بديلاً لدستور الجمهورية العربية السورية النافذ حالياً الصادر بالمرسوم رقم /208/ لعام /1973/ بناء على قرار مجلس الشعب حينها في جلسته المنعقدة بتاريخ 30/1/1073 وجلسته بتاريخ 20/2/1973 والتي أقر فيها المجلس مشروع الدستور وبناء على نتيجة الاستفتاء على الدستور المعلنة بقرار وزير الداخلية رقم (/166/ن) تاريخ 13/3/1973.
وتذهب دول عديدة مذاهب شتى في إعداد دساتيرها حسب ظروفها وأوضاعها وتجاربها ومنها مَنْ يعد لانتخابات هيئة تأسيسية تضع الدستور وأخرى توكل لمجلس الشعب (البرلمان) المهمة وأخرى إلى لجان تقدم نتائج أعمالها للاستفتاء.
وقد تضمن مشروع الدستور الجديد مقدمة ومائة وسبعة وخمسين مادة موزعة على ستة أبواب هي:
ــ الباب الأول: ويتضمن المبادئ الأساسية.
ــ الباب الثاني: ويتضمن أحكاماً تتعلق بالحقوق والحريات وسيادة القانون.
ــ الباب الثالث: أحكام حول سلطات الدولة.
ــ الباب الرابع: المحكمة الدستورية العليا.
ــ الباب الخامس: أحكام تعديل الدستور.
ــ الباب السادس: أحكام عامة وانتقالية.
وتضمن الباب الأول أربعة فصول هي:
ــ المبادئ السياسية.
ــ المبادئ الاقتصادية.
ــ المبادئ الاجتماعية.
ــ المبادئ الثقافية والتعليمية.
وتضمن الباب الثاني فصلين: ــ الحقوق والحريات الديمقراطية وسيادة القانون.
وتضمن الباب الثالث ثلاثة فصول:
ــ السلطة التشريعية.
ــ السلطة التنفيذية:
أحكام حول: رئاسة الجمهورية ــ مجلس الوزراء ــ الإدارة المحلية.
ــ السلطة القضائية:
أحكام حول قضاء الحكم والنيابة العامة والقضاء الإداري.
وجاء في مقدمة مشروع الدستور إنه أضحى لسورية موقع سياسي مهم كونها «قلب العروبة النابض وجبهة المواجهة مع العدو الصهيوني والحامل الأساسي للمقاومة ضد الهيمنة الاستعمارية على الوطن العربي ومقدراته وثرواته .....».
واعتبرت المقدمة التي هي جزء لا يتجزأ من الدستور:
أن إنجاز الدستور الحالي أساس لتعزيز دولة القانون وإضافة «وتتويجاً لنضال الشعب على طريق الحرية والديمقراطية وتجسيداً حقيقياً للمكتسبات واستجابة للتحولات والمتغيرات ودليلاً ينظم مسيرة الدولة نحو المستقبل وضابطاً لحركة مؤسساتها ومصدراً لتشريعاتها وذلك من خلال منظومة من المبادئ الأساسية تكرس الاستقلال والسيادة وحكم الشعب القائم على الانتخاب والتعددية السياسية والحزبية وحماية الوحدة الوطنية والتنوع الثقافي والحريات العامة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص والمواطنة وسيادة القانون يكون فيها المجتمع والمواطن هدفاً وغاية يكرس من أجلهما كل جهد وطني، ويعدّ الحفاظ على كرامتهما مؤشراً لحضارة الوطن وهيبة الدولة».
وهي صياغة جديدة كلياً وتختلف جذرياً عن مقدمة الدستور السابقة والنافذ حالياً في محاولة للمواءمة مع المبادئ التي وضعت ونظمت أحكام الدستور الجديد واتجاهاته.
ــ بقيت المادة الثالثة في المشروع ذاتها في الدستور الحالي بالنسبة للبند /1/ و /2/ وقد نص البند /1/ على أن دين رئيس الجمهورية الإسلام والبند /2/ على أن الفقه الإسلامي مصدر رئيس للتشريع.
بينما نص البند /3/ من المادة /33/ من المشروع:
/3/: المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.
/4/: تكفل الدولة مبدأ تكافل الفرص بين المواطنين.
كما نصت المادة /23/ من المشروع على قيام الدولة بتوفير جميع الفرص للمرأة التي تيتح لها المساهمة في بناء المجتمع.
وهي ذاتها في الدستور النافذ بعد حذف آخر الجملة التي تقول: «مشاركتها في بناء المجتمع الاشتراكي» والتي حذفت حيثما وردت في نص المشروع واستعيض عنها بالعدالة الاجتماعية.
ولم يقدم بذلك مشروع الدستور لارتكازه للفقه في التشريع وتوفيره للمرأة جميع الفرص نصاً واضحاً على مساواة النساء والرجال أو أنه يتم السير باتجاه تحقيق المساواة بين المرأة والرجل وإن كانا متساويين في الحقوق والواجبات حسب النص.
وعودة للمادة /3/ يُقترح حذف المادة وفي حال الإبقاء عليها إعادة الصياغة للبنود /3/ و/4/ الاستفاضة عنها بالمادة /35/ من الدستور الحالي والتي تقول:
1 ــ حرية الاعتقاد مصونة وتحترم الدولة جميع الأديان.
2 ــ تكفل الدولة حرية القيام بجميع الشعائر الدينية على ألا يخل ذلك بالنظام العام.
علماً أن البند /1/ قد تضمنته المادة /42/ من مشروع الدستور لذلك لا سبب لذكر الأحوال الشخصية للطوائف في الدستور.
ــ لابد من التنويه هنا إلى أن مشروع الدستور نص على أن النظام السياسي للدولة يقوم على مبدأ التعددية السياسية وممارسة السلطة ديمقراطياً عبر الاقتراع حسب المادة /8/ من المشروع.
إلا أنه من المفيد الإشارة إلى إعادة صياغة البند /2/ من المادة وحذف كلمة رخصة الأحزاب السياسية لوجود قانون أحزاب وقانون انتخابات ينظمان الحياة الحزبية وقواعدها والانتخابات.
وكذلك البند /4/ التي لم تجز إقامة أحزاب على أساس ديني أو طائفي أو قبلي .... وهو ما أكده ونص عليه قانون الأحزاب ولكن النص في الدستور على عدم جواز تأسيس أحزاب على أساس فئوي أو مهني ليس صحيحاً ودقيقاً ويتطلب إعادة نظر لأن الأحزاب السياسية تعبر عن مصالح شرائح وفئات وطبقات في المجتمع ولذلك توجد أحزاب للعمال والمزارعين وغيرها وهو ما يتطلب إعادة صياغة المادة /19/ أيضاً التي نصت على أن المجتمع يقوم على أساس التضامن والتكافل .... إلخ..
ومن المفيد إعادة صياغتها لتصبح «يقوم المجتمع في الجمهورية العربية السورية على أساس احترام مبادئ العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة .... الخ».
وقضايا التكافل والتضامن لتترك للعقائد والشعائر والأديان والمنظمات والجمعيات الأهلية والخيرية وليس لنصوص في دستور.
ــ لابد في لحظ المادة /9/ في مشروع الدستور التي تعتبر خطوة هامة في مجال تحقيق بعض أهداف النظام الديمقراطي العام في سورية والتي نصت:
«يكفل الدستور حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته وتعدد روافده، باعتباره تراثاً وطنياً يعزز الوحدة الوطنية في إطار وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية».
وكذلك المادة /10/ حول المنظمات الشعبية والنقابات المهنية والجمعيات وضمان الدولة لاستقلالها وممارسة رقابتها الشعبية.
أما الفصل الثاني ــ المبادئ الاقتصادية فقد نظمتها المواد من /13/ وحتى /18/.
ــ تم إعادة صياغة جذرية وجوهرية للمواد في نفس الفصل من الدستور النافذ حالياً الذي اعتبر أن «الاقتصاد يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال».
وحُدد في المادة /14/ منه أنواع الملكية (ملكية الشعب، ملكية جماعية، ملكية فردية) والتعديل طال التخطيط والاشتراكية وغيرها ولم يورد مشروع الدستور الجديد تصنيفاً للملكية أو توصيفاً للاقتصاد السوري وبقيت الصياغة تحاول أن تجد حلاً بجمع جميع المتناقضات في بوتقة واحدة من تنمية وخطط ونمو وعدالة اجتماعية وتنمية شاملة ومستدامة وحماية المنتجين والمستهلكين ورعاية التجارة والاستثمار وحماية قوة العمل وهو ما يكون أشبه من حيث الصيغة بطبخة «الكواج» أو كوكتيل شامل لكل ما هو قائم ولكل الأفكار ويعني ذلك في الواقع الاعتراف ضمناً بالواقع الاقتصادي القائم على أساس علاقات الإنتاج الرأسمالية وتغيير دور الدولة إلى دور إشرافي ومنظم مع مرونة في المصطلحات وكثرتها والتعابير تصلح لأي منظومة اقتصادية كانت في إطار الرأسمالية وسوقها مع أن المطلوب في الوقت الحالي ليس أي رأسمالية بل رأسمالية الدولة المنتجة ذات الوظائف الاجتماعية ودور تدخل أكبر.
ــ وأثار بعضهم الكثير من الغبار و «العنتريات» الإذاعية والإعلامية والتصريحات الطنانة تمريراً لصياغة المبادئ الاقتصادية المذكورة أعلاه الحديث عن أن الضرائب أصبحت بموجب مشروع الدستور الجديد (المادة /18/) قد أصبحت تصاعدية.
علماً أن المادة /19/ من الدستور النافذ حالياً ومنذ /1973/ نصت على:
«تفرض الضرائب على أسس عادلة وتصاعدية تحقق مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية». ولا جديد هنا علماً أن هذه المادة تم تناسيها خلال سنوات الخمسية العاشرة والقوانين التي تمت في ظلها بالكامل.
ــ لابد من الإشارة الخاصة والأهمية الكبرى للمادة /14/ في مشروع الدستور الجديد التي نصت على:
«الثروات الطبيعية والمنشآت والمؤسسات والمرافق العامة هي ملكية عامة، تتولى الدولة استثمارها والإشراف على إدارتها لصالح مجموع الشعب، وواجب المواطنين حمايتها».
ــ الفصل الثالث من الباب الأول ويتضمن المواد من /19/ وحتى /27/ حول المبادئ الاجتماعية و /28/ وحتى /32/ حول المبادئ التعليمية والثقافية:
أضيف للمادة /29/ من المشروع فقرة حول التعليم الخاص.
ونصت المادة /40/ على إضافة جديدة هامة تتميز عن الدستور الحالي:
/2/: لكل عامل أجر عادل حسب نوعية العمل ومردوده على ألا يقل عن الحد الأدنى للأجور الذي يضمن متطلبات المعيشة وتغيرها.
ونرى أن يضاف لنهاية البند «وعلى الدولة أن تكفل ذلك» سنداً لأحكام البند /2/ من المادة /36/ من الدستور الحالي.
كما يُقترح استبدال البند /3/ من المادة /40/ من المشروع:
/3/: تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعمال، وإعادة صياغتها لتصبح:
/3/: تحدد الدولة عدد ساعات العمل وتكفل الضمان الصحي والاجتماعي للعاملين وينظم القانون حق الراحة والإجازة والتعويضات، مع الإشارة الخاصة للمادة /44/ من مشروع الدستور التي نصت على حق الإضراب عن العمل في إطار مبادئ الدستور وهو إنجاز ديمقراطي اجتماعي عام للعمال وحركتهم النقابية في ظل وتكريس هذا الحق من خلال تعديل قانون العمل.
ــ نصت المادة /62/ من المشروع على موعد إجراء انتخابات مجلس الشعب خلال الأيام الستين التي تسبق تاريخ انتهاء ولاية المجلس.
ومن غير الواضح إذا كان المقصود «الأيام الستين التي تلي» تاريخ انتهاء المجلس أم لا وهو ما نص عليه الدستور الحالي في المادة /58/.
كما نصت المادة /66/ على اختصاص المحكمة الدستورية العليا في النظر بالطعون الخاصة بانتخابات أعضاء مجلس الشعب ولها أن تبتّ في الطعون بأحكام مبرمة، علماً أن الدستور الحالي في المادة /62/ منه أعطت لمجلس الشعب الحق في الفصل في حالة الطعن بصحة عضوية أعضائه في ضوء التحقيقات التي تجريها المحكمة الدستورية العليا ولا تبطل عضوية العضو إلا إذا قرر المجلس ذلك بأكثرية أعضائه ومن المفيد والأكثر ديمقراطية وبما ينسجم مع نصوص وروح المشروع إعادة صياغة المادة لإبقاء النص النافذ حالياً كما كان من المفيد إضافة للمهام التي أوردتها المادة /75/ من اختصاصات لمجلس الشعب إعطاؤه الحق إضافة لحجب الثقة عن الوزارة بمنح الثقة للوزارة أيضاً.
ــ نص مشروع الدستور الجديد بأنه لا يقبل طلب الترشيح لرئاسة الجمهورية إلا إذا حصل المرشح على تأييد خطي من /35/ عضواً على الأقل من أعضاء مجلس الشعب ولا تجري الانتخابات إذا كان المرشح واحداً ويقوم رئيس مجلس الشعب في هذه الحالة بالدعوة لفتح باب الترشيح مجدداً وفق الشروط ذاتها ويتم انتخاب الرئيس من الشعب مباشرة.
وتحدد تجارب ودساتير عديدة آلية الترشيح لرئاسة الجمهورية تختلف باختلاف أوضاعها وظروفها وإذا كان المشروع ذهب للطريقة المذكورة فإن بعض دول العالم لديها تجارب مماثلة وبعضها ذهب لتحديد عدد معين من النواب وبعضها أضاف إليهم عدداً محدداً من أعضاء مجالس الإدارة المحلية وأخرى اكتفت بأن يحصل المرشح على عدد معيّن من تواقيع الناخبين المؤيدين لترشيحه.
وتضمن مشروع الدستور نصاً جديداً هاماً في المادة /125/ حيث عدد الحالات التي تعتبر فيها الوزارة بحكم المستقيلة.
وفقاً لمصادر اللجنة التي كلفت بإعداد مشروع الدستور فقد تم الإبقاء على /35/ مادة كما هي من الدستور الحالي وإعادة صياغة /34/ مادة منه وتعديل /47/ مادة إضافة /14/ مادة جديدة.
وحافظ مشروع الدستور على مضمون الدستور الحالي باعتباره نظام الحكم في الدولة نظاماً جمهورياً رئاسياً يتمتع فيه رئيس الجمهورية بسلطات واسعة.
مشروع الدستور مقدم للاستفتاء العام الذي سيجري بتاريخ 26/2/2012 ليقول المواطنون كلمتهم والذي سيصبح بعد إقراره نافذاً ناظماً ومصدراً للتشريعات والسياسات والقوانين وضابطاً لآلية عمل الدولة وضامناً للحقوق بما تضمنه من أسس ومبادئ تكرس الاستقلال الوطني وتحمي الوحدة الوطنية ومجابهة المستعمرين ولإعلاء سيادة القانون والحريات العامة والمواطنة والتعددية السياسية وتكافؤ الفرص.
اللجنة الحقوقية التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري