عام على الثورة المصرية.. لم ينته النضال بعد

طباعة


انتصرت الثورة المصرية قبل عام من الآن، ولم تنتصر حتى الآن، فما زالت مهامها الأساسية غير منجزة. وتبدو الكفة راجحة نحو الثورة المضادة، هذا ما يحاول الاعلام البرجوازي اقناعنا به ليل نهار وإن بطرق غير مباشرة، كما حاول الاعلام ذاته أن يقنعنا بنهاية التاريخ وتأبيد الحكم البرجوازي والحكام الطغاة. لكن للثورة منطقها الخاص، وقدرتها على الاختباء والخفوت ثم العودة مجدداً بقوة، وبشكل مفاجئ لمن لا يقرأ الحدث إلا من وجهة نظر الطبقات والفئات المسيطرة.
فبعد أن انجزت الثورة مهمتها الأولى في خلع حسني مبارك، تكالبت عليها القوى بسيناريو شبيه بالسيناريو التونسي.
فكان الاستفتاء على التعديلات الدستورية المرسومة من فوق، وبالاستناد إلى القوى «الاسلاموية» وبالمقابل عدم الاهتمام الجماهيري، فمرت التعديلات فيما سمتها القوى الرجعية المتسترة بالدين بغزوة الصناديق، لكن هذه التعديلات لم تحقق شيئاً على الأرض، ففي زمن الثورة لا يمكن للتغييرات السياسية والقانونية أن تجد صدى ما لم تستند إلى وعي الجماهير ومطالبها، فالبرجوازية دوماً تريد أن تكتفي بالتعديل الحقوقي والسياسي دون الاقتصادي الاجتماعي، وهنا مكمن الخلل في التعديلات من فوق، بينما المطلوب تعديلات من تحت.
في الوقت ذاته تكالبت القوى البرجوازية وبعض القوى البرجوازية الصغيرة على الطبقة العاملة والكادحين، فكانت الأبواق تصدح ليل نهار بذم وشتم الاضرابات "الفئوية" (اقرأ.. الطبقية) والاعتصامات المطلبية. فبعد أن أنجزت الطبقة العاملة مهمتها ودورها الأساسي في اسقاط مبارك وطغمته، حين انضمت إلى الميادين يوم 10 شباط 2011 تحت شعار العدالة الاجتماعية، أصبح مطلوباً منها برجوازياً أن تكتفي بالتغيير السياسي وتنسى شعارها المجيد وتعود مستكينة للقبول بالاستغلال الرأسمالي لقوة عملها دون أي مكسب اقتصادي اجتماعي.
واليوم تحاول القوى البرجوازية الليبرالية وبعض القوى البرجوازية الصغيرة أن تحمِّل القوى "الاسلاموية" مسؤولية إضاعة الثورة وتسليمها شبه عارية للعسكر، بينما يتناسون أنهم هم أنفسهم من أضاع الثورة بخوفهم من المارد الذي خرج من القمم، مارد الطبقة العاملة المصرية المجيدة، وهذا الخوف مشروع من وجهة النظر الطبقية، لكن هذا الخوف دفعهم لدفع ثمن غالٍ، فقد بقيت الطبقة العاملة متفرجة على مشهد دحر قوى البرجوازية الليبرالية من قبل قوى البرجوازية المحافظة المتسترة بالدين والمستفيدة من البترودولار، وهذا شكل من أشكال الوعي الطبقي للطبقة العاملة المصرية بعدم انجرارها إلى ساحات السجال الحقوقي والمبتذل بين أجنحة البرجوازية المصرية، هذه البرجوازية التي خانت من جديد تطلعات الشعب المصري، لأنها برجوازية كمبرادورية تنتمي لنمط انتاج تابع فلا تمتلك تقاليد انتاجية راسخة ولا حتى حساً وطنياً.
وهذا قد يفسر جزئياً الخوف الشديد من الدعوة للاضراب يوم 11 شباط، فقد عارضتها كل الأحزاب البرجوازية المحافظة "الاسلاموية" من جهة، كالأخوان المسلمين والسلفيين بمختلف تنويعاتهم، والأحزاب البرجوازية الليبرالية بما فيها الوفد، إضافة إلى المؤسسات الدينية، فقد أفتى الأزهر أن الإضراب (غير جائز شرعاً) بينما حرمه مفتي مصر واعتبره البابا شنوده (محاولة تخريبية)، وقد يكون هذا الخوف نابعاً من خوف تحول الاضراب إلى 6 ابريل جديد في ظل ضعف استثنائي للدولة وأجهزتها وتخبط في المؤسسات الحاكمة وبين القوى المتكالبة على الحكم، خاصة وأن مطالب الداعين للاضراب تتشابه مع تلك التي رفعها عمال مصر في السادس من نيسان/ابريل 2008، ومنها إقرار حد أدنى وأقصى للأجور واستعادة الأموال المنهوبة من الشعب، إضافة لاستقلال القضاء وانجاز المحاكمات وإعادة هيكلة وزارة الداخلية.
من جهة أخرى يتعرض المجلس العسكري لاذلال من قبل الادارة الأمريكية، فيما يتعلق بأزمة "المنظمات غير الحكومية" وتمويلها بطرق غير مشروعة، مع التهديد بقطع المعونة الأمريكية عن مصر والتي يستفيد منها العسكر قبل غيرهم، ومن هذه المنظمات "المعهد الجمهوري الدولي" و"المعهد الديموقراطي القومي" و"فريدوم هاوس" ذات العلاقات الصريحة مع الادارة الأمريكية ومع أجهزتها بما فيها المخابراتية. وقد تكون هذه التهديدات للعسكر جزءاً من حملة تحذيرية للحكام الجدد بعدم الخروج عن سياق السيناريو الامبريالي المرسوم، وأيضاً جزءاً من الحملة الرئاسية المرتقبة للرئيس الأمريكي بالحصول على نصر سهل بـ"تحرير رهائن" أمريكيين منهم ابن وزير في إدارته في ظل فشل مذل على مختلف الصعد وفي مختلف بقاع العالم أيضاً.
ومع التهديد بوقف المعونة الأمريكية، يتريث البنك الدولي في منح مصر قرضاً جديداً حتى (يعرف توجهات الحكومة الجديدة) التي سيشكلها الأخوان المسلمون بالتكافل والتضامن مع المجلس العسكري. وهذا ما يشبه الانتداب، والذي بدأ في مصر بالاشراف الاستعماري على الحسابات المالية للدولة في القرن التاسع عشر وانتهى بالاحتلال العسكري.
وبينما يتذلل المجلس العسكري للإدارة الأمريكية لمنحه "المعونة"، لا يرف له جفن عند قمع الحركة الجماهيرية بالعنف والقسوة المعهودة في ظل فلتان أمني يذكّر بالفلتان المفتعل قبيل سقوط حسني مبارك، فالمطلوب اليوم من العسكر وحلفائهم "الاسلامويين" قمع الحركة الجماهيرية بكل الأشكال والوسائل، حتى لو اضطر البعض لرفع الأعلام السعودية، كما حدث الصيف الماضي، أو لعدم الالتزام بالاعلان الدستوري ذاته الذي هدد "الاسلامويين" فيه جماهير الشعب بالويل والثبور وعظائم الأمور ونار جهنم لمن يصوت ضده.
ولا تعلم القوى البرجوازية أنها بذلك تأكل نفسها وتتجه بخطوات ثابتة نحو الافلاس، لأن الهيكل الذي بنته بالأكاذيب يتهدم اليوم أمام سلطان الواقع، فمجلس الشعب الذي صرفت على انتخاباته الأموال الطائلة يتحول اليوم إلى سيرك، وكذبة الديمقراطية تترجم هراوات وقنابل غاز في شوارع مصر، والاستقلال الوطني والكرامة الوطنية تُنسى حين يتم الحديث عن اتفاقيات الاذلال من كامب ديفيد إلى صفقات الكويز والغاز، بينما يتسول العسكر الأموال في واشنطن ويتصدق بها على "الاسلامويين" حكام الرياض والدوحة.
أما الطبقة العاملة والكادحون المصريون فيتجرعون الأمرّين من تقلص الأجور وفرص العمل وغلاء المعيشة، ويتحضرون اليوم لجولة جديدة، فتجميع القوى مازال مستمراً.
قبل عام، وفي زيارة أممية إلى مصر، كان الكثيرون، بمن فيهم من يتلطون خلف يافطة اليسار، يحاولون التعمية على دور الطبقة العاملة وتنظيماتها المستقلة، حتى دفع ذلك بأحد الرفاق الأوروبيين للقول (إنها الثورة المضيَّعة، فبدلاً من الثوريين نشاهد المناشفة).
اليوم، يجهد الكثيرون لنشر اليأس بفعل إرادي، لكن، وفي المقابل، ينتشر التفاؤل بفعل حتمي. أحد ثوريي المحلة، المدينة العمالية ومهد اضراب 6 ابريل، قال مؤخراً في تصريحات أوردت مقتطفات منها وسائل إعلام عالمية:
لم تكن ثورة يناير كما كنا نحلم بها، فالفائزون لم يكونوا النشطاء الاشتراكيين والشيوعيين المنتمين للحركة العمالية، بل تصدرهم إسلاميون تابعون لجماعة الإخوان المسلمين وحزب النور السلفي. لقد شجع النظام القديم الإسلاميين في المساجد بهدف إضعاف الحركة العمالية.
وأضاف:
في الوقت الحالي على الأقل ومع المزيد من الحرية لتنظيم الصفوف، يمكن للعمال انتخاب قادة مستقلين يطالبون بأجور أفضل والمزيد من الحقوق للعمال... لم ينته النضال بعد.

رشيد موسى

18 - أيار - 2012