ما زالت معظم الاقتصادات الأوروبية تعاني من وطأة مفاعيل الأزمة الاقتصادية الهيكلية التي توصف بأنها أزمة ديون سيادية، هذه الأزمة التي أطاحت بعدد من الحكومات في أوروبا، منها من قدمت استقالتها واستبدلت بـ«التكنوقراط» كما في اليونان وإيطاليا، ومنها من أفل نجمها وسقطت انتخابيا بفوارق كبيرة مع المنافسين كما جرى مؤخرا في اسبانيا. وتبقى العديد من الحكومات الأوروبية واقعة بين مطرقة ضغط إدارة الاتحاد الأوروبي من أجل المزيد من التقشف وبين سندان الاستياء الشعبي المترافق مع ضعف الاقتصاد وركوده. ويبقى الهدف الأول والأخير، من وجهة النظر الرأسمالية الاحتكارية الأوروبية، هو ضمان سداد الالتزامات تجاه كبريات الشركات واستمرار مصالحها وعودة دورة الاستغلال الرأسمالي إلى عافيتها. إنها سلطة كبرى الاحتكارات التي تفرض «حلولها» بما يتناسب عكساً بالضرورة مع مصلحة الشعوب.
تخفيض التصنيف الائتماني لدول أوروبية ما زال مستمرا، حيث خفضت وكالة التصنيف الائتماني موديز إنفستورز سيرفيس التصنيف الائتماني لست دول أوروبية بينها إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، وغيرت نظرتها المستقبلية لتصنيف كل من بريطانيا وفرنسا والنمسا الممتاز (أي.أي.أي) إلى سلبية. كما خفضت موديز تصنيفات كل من سلوفاكيا وسلوفينيا ومالطا، عازية الإجراء إلى استمرار أزمة الديون السيادية الأوروبية.
وتأتي هذه الخطوة عقب خطوة مماثلة اتخذتها وكالة ستاندرد أند بورز الشهر الماضي عندما خسرت فرنسا والنمسا تصنيفهما الائتماني الممتاز، بينما جرى خفض تصنيفات إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وقبرص ومالطا وسلوفاكيا وسلوفينيا.
وعلى أثر قرار موديز، أكدت كل من بريطانيا وفرنسا أنهما ستتقيدان بالتزامهما لخفض العجز في الميزانية بهدف تحسين ظروف الاقتصاد، مما يعني المزيد من إجراءات التقشف.
حيث قال وزير المالية البريطانية جورج أوزبورن إن قرار موديز دليل على أنه وسط الظروف الاقتصادية العالمية الحالية لا يمكن لبريطانيا أن تتخلى عن التصدي لديونها والقيام بإجراءات تقشفية. وتتعرض الحكومة البريطانية لضغوط متزايدة لتخفيف إجراءاتها التقشفية من أجل إعطاء دفعة لاقتصاد متعثر.
من جهته قال وزير المالية الفرنسي فرانسوا باروان إن باريس ستمضي قدما في سياستها لتحسين القدرة التنافسية ودعم النمو مع خفض العجز في الميزانية الحكومية.
تدل أحدث الأرقام أن اقتصاد منطقة اليورو التي تضم 17 دولة مُنِيَ بتراجع بنسبة 0.3% في الربع الأخير من العام الماضي، بعد أن أضرت أزمة الديون السيادية بالنمو الاقتصادي في المنطقة.
وفي إيطاليا -وهي صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو- أوضح مكتب الإحصاء الوطني الإيطالي (إستات) أن اقتصاد البلاد تراجع بنسبة 0.7% خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليدخل في ركود اقتصادي بعد فصلين متتاليين من النمو السلبي. وأضاف (إستات) أن تقديراته الأولية تشير أيضا إلى أن معدل النمو السنوي للعام الماضي بلغ 0.4% مقابل 1.4% في عام 2010. وفي الربع الثالث من العام الماضي، تراجع الاقتصاد الإيطالي بنسبة 0.2%.
ومن مؤشرات نذر حدوث أزمة ائتمان، هو ما جرى الحديث عنه الشهر الماضي من تكديس البنوك للسيولة في البنك المركزي الأوروبي. حيث لجأت بنوك منطقة اليورو إلى إيداع كميات كبيرة من السيولة في البنك المركزي الأوروبي رغم هبوط سعر الفائدة عليها، وهو ما فسره المحللون بأنه ينذر بأزمة ائتمان في منطقة اليورو.
وتزداد كمية السيولة في البنك يوما بعد يوم. وكشف البنك المركزي الأوروبي الشهر الماضي أن البنوك بمنطقة اليورو حولت إليه 528 مليار يورو (682 مليار دولار) للإيداع ليلة واحدة رغم تدني سعر الفائدة على الودائع إلى 0.25%.
وفي الظروف العادية تفضل البنوك إيداع السيولة لدى بنوك أخرى حيث تستطيع الحصول على فائدة أعلى. لكن أزمة اليورو أدت إلى تقويض الثقة بين البنوك، مما يعني أن البنوك تفضل حاليا إيداع سيولتها في البنك المركزي الأكثر أمنا.
كما أن تصرف البنوك يدعو إلى التساؤل، حيث إن البنك المركزي الأوروبي قدم قروضا لأجل ثلاث سنوات في كانون الأول الماضي لـ523 بنكا في منطقة اليورو بلغت قيمتها 489 مليار يورو (632 مليار دولار).
وكان البنك المركزي الأوروبي يأمل أن تقوم البنوك بإقراض الشركات والمستهلكين من أجل دفع النمو الاقتصادي، وشراء سندات الحكومات المثقلة بالديون لخفض كلفة قروضها. لكن البنوك اتجهت فيما يبدو إلى تخزين الأموال وأخذ الفائدة عليها من أجل خدمة ديونها هي.
ويبلغ حجم ديون بنوك منطقة اليورو التي يجب دفع فوائد عليها نحو 200 مليار يورو (258.6 مليار دولار) في الربع الأول من العام الحالي، ونحو 600 مليار يورو (775.8 مليار دولار) خلال العام كله.
يضاف إلى ذلك أن الحكومات تجبر حاليا أكبر 70 بنكا في أوروبا على زيادة احتياطياتها، في محاولة لتعزيز دفاعاتها ضد أزمة الديون، وهو سبب آخر لتخزين البنوك للأموال، بحسب محللين.
من ناحية أخرى، كشف مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات) عن ارتفاع معدل الفقر في العديد من الدول الأوروبية بما فيها الدول الكبرى، حيث واجه هذا الخطر 115 مليون شخص في 2010، أي 23.4% من سكان بلدان الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين.
وسجلت كل من فرنسا وإسبانيا وبريطانيا أكبر زيادة سنوية في معدلات الفقر بين دول الاتحاد الأوروبي.
وارتفع المؤشر في إسبانيا بمقدار 2.1 نقطة ليصل معدل الفقراء إلى 25.5% مقارنة بعام 2009.
وفي بريطانيا، ارتفع مؤشر الفقر بمقدار 1.1 نقطة ليصل إلى 23.1%، وفي فرنسا زاد المؤشر بمقدار 0.9 نقطة ليصل إلى 19.3%.
وأعلى نسب المهددين بالفقر أو التهميش الاجتماعي، سجلت في كل من بلغاريا بنسبة 42% ورومانيا 41% وليتوانيا 38%، أما أدنى النسب فموجودة في جمهورية التشيك 14% والسويد وهولندا بنسبة 15%، وكذلك في النمسا وفنلندا ولوكسمبورغ بمعدل 17%.
وبلغ متوسط مؤشر الفقر على مستوى الاتحاد الأوروبي بشكل عام 23.4% بزيادة قدرها 0.3 نقطة مئوية عن 2009.
أما على صعيد البطالة، فقد ضربت البطالة في أوروبا رقماً قياسياً لم تبلغه منذ أن تم اعتماد العملة الموحدة. حيث أظهرت بيانات منطقة اليورو ارتفاع البطالة إلى 10.4% خلال كانون الأول الماضي. وأعلى الأرقام كانت في إسبانيا حيث تخطى الرقم عتبة 23%، لا سيما بين الشباب حيث بلغت النسبة 45%.
بعد سنتين من أزمة الديون وقبلها الأزمة الاقتصادية وسياسات التقشف في الميزانيات، ارتفع عدد العاطلين عن العمل في أوروبا إلى 16.5 مليون شخص، انضم لهم عشرون ألفاً في كانون الأول الماضي. وكان أعلى معدل قد سجل في حزيران من عام 1998، قبل طرح اليورو بعام واحد.
رغم سياسة التقشف.. الاتحاد الأوروبي غاضب من اسبانيا ومستعد لمعاقبتها
ما زال وضع الاقتصاد الاسباني يتدهور اذ أظهرت بيانات رسمية أن الناتج المحلي الإجمالي تراجع بنسبة 0.3% على أساس حسابات الربع السنوي بعد أن استقر لفترة طويلة دامت خمسة أعوام .
وبذلك بلغت نسبة البطالة في اسبانيا أعلى معدلاتها في منطقة اليورو بسبب اتخاذها تدابير قاسية في سياسة خفض العجز في الميزانية .
الإتحاد الأوروبي من جهته غاضب جدا من إسبانيا..غاضب لدرجة تهديده بفرض حزمة عقوبات ضدها قبل حلول شهر أيار المقبل، وذلك لتأخير تفعيل خطط التقشف و«الإصلاح» قبل الانتخابات الإقليمية التي تشهدها البلاد في آذار القادم.
وأشار كبار مسؤولي الإتحاد الأوروبي إلى أن المفوضية الأوروبية تعتقد أن اسبانيا تبالغ في أرقام عجز ميزانية عام 2011، وذلك في سبيل جعل أرقام عام 2012 أفضل وضعا، كما أنها تتحرك أيضا بمعدل بطيء من أجل معالجة التدهور الحاصل في المالية العامة.
وكانت حكومة المحافظين في إسبانيا، قد أقرت بأنها قد لا تفي برقمها المستهدف لخفض عجز الميزانية إلى 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام مثلما تم الاتفاق عليه مع الاتحاد الأوروبي.
واعتمدت حكومة رئيس الوزراء ماريانو راخوي، على غرار سابقتها حكومة ثاباتيرو، سياسات تقشف قاسية في محاولة لاستعادة الثقة في السوق.
وأعلنت عن حزمة أولية لخفض الإنفاق وزيادة الضرائب بقيمة 15 مليار يورو أي 19.5 مليار دولار ومن المتوقع أن يليها المزيد من الإجراءات.
اليونان مستنقع الأزمة لا قعر له
بعد ساعات طويلة من النقاش وعلى وقع مصادمات بين متظاهرين وعناصر الشرطة في العاصمة اليونانية أثينا، وافق البرلمان بأكثرية المحافظين والاشتراكيين الديمقراطيين على قانون يفضي إلى تطبيق إجراءات تقشفية صارمة، وذلك لتأمين تنفيذ خطة إنقاذ مالية.
ويمكن القانون من توفير ما يزيد عن ثلاثة مليارات يورو، يتم اقتطاعها من أجور الموظفين ومعاشات المتقاعدين هذا العام حتى تتجنب البلاد الإفلاس.
هذا جزء مما يطالب به صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي حتى تحصل اليونان على مساعدات جديدة تقدر بمائة وثلاثين مليار يورو من البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي في إطار خطة إنقاذ مالية.
قال جان كلود يونكر، رئيس مجموعة اليورو: «لن يتم صرف حزمة المساعدات قبل تنفيذ الخطة، لأننا لا نستطيع أن نتعامل مع نظام يكرر وعوده باستمرار ولكنه ينفذ تدابيره التقشفية ببطىء شديد أحيانا، نحن نريد رؤية هذه التدابير تطبق على ارض الواقع..»
كما تطالب دول منطقة اليورو من أحزاب الائتلاف الحاكم في اليونان، تقديم ضمانات خطية بالموافقة على خطة التقشف الصارمة المتفق عليها، مما أدى إلى انسحاب 44 نائباً من حزبي الائتلاف الحاكم وتصويتهم ضد خطة التقف الأوروبية.
وتجابه الإجراءات التقشفية بمعارضة شديدة من المتظاهرين، فيما يقول مسؤولون يونانيون إما أن يتم إنقاذ البلاد ببذل «تضحيات عظيمة»، وإما أن تستمر الأزمة وتتجه البلاد نحو الكارثة.
ضمن السياق نفسه أشار رئيس الوزراء اليوناني لوكاس باباديموس من جهته إلى تمسكه بـ«الاصلاحات الاقتصادية» مؤكدا ضرورة مغادرة أي طرف لن يدعم خطة «الإصلاحات» في البرلمان من الائتلاف الحاكم.
حزب الجمهورية الجديدة المحافظ أحد اكبر أحزاب الائتلاف الحاكم انتهج الأسلوب ذاته عندما لوح بفصل النواب الذين سيصوتون ضد الإجراءات التقشفية.
وكان أمام النواب خياران لا ثالث لهما إما التجاوب مع مطالب الشعب ورفض الخطة والقبول بحتمية إفلاس البلاد وحتى مبدأ الخروج من منطقة اليورو بكل ارتداداته المزلزلة للاقتصاد اليوناني والأوروبي، وحتى العالمي، أو عدم مسايرة الشعب والمصادقة على الخطة التي تجلب للحكومة مائةً وثلاثين مليار يورو من مساعدات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي مقابل اقتطاع حوالي ثلاثة مليارات ونصف المليار يورو من بعض ما تبقى من مداخيل اليونانيين.
وتنص خطة التقشف على برنامج زمني جديد لعمليات الخصخصة والإصلاحات البنيوية، وعلى خفض الحد الأدنى لأجور موظفي القطاع الخاص بنسبة 22%، وتسريح 20% من العاملين في الحكومة، إلى جانب خفض مخصصات الصحة والضمان الاجتماعي والتعليم العالي والدفاع.
وتوجه انتقادات لسياسة التقشف الصارمة التي تتبعها أثينا، أبرزها أن هذه السياسة تخنق النمو الاقتصادي، حيث تراجع الاقتصاد اليوناني بـ7% في الربع الأخير من 2011 حسب بيانات رسمية لأثينا، مسجلا ركودا للسنة الخامسة على التوالي.
كل هذا لم يعجب الأوروبيين من أجل الإفراج عن حزمة الإنقاذ الثانية، وتتضمن حزمة الإنقاذ الثانية مبلغ 100 مليار يورو (132 مليار دولار) لمساعدة الحكومة، و30 مليار يورو (39 مليار دولار) لتقوية البنوك المحلية، كما يتوقع أن يؤدي شطب الدائنين لنسبة 70% من قيمة السندات اليونانية التي يحوزونها إلى تقليص ديون أثينا بنحو 100 مليار يورو (132 مليار دولار). واليونان بحاجة ماسة إلى حزمة الإنقاذ الجديدة وتنفيذها قبل الشهر المقبل لتفادي إعلان إفلاسها، حيث إن عليها سداد سندات بقيمة 14.5 مليار يورو مستحقة يوم 20 آذار القادم.
نتيجة لعدم موافقة وزراء مالية الاتحاد الأوروبي على ما قامت به أثينا من إجراءات تقشفية إملاقية صارمة، معتبرين أن هذه الإجراءات منقوصة وان أثينا لم تف بكامل الشروط. فقد أعدت الحكومة اليونانية مشروع قانون بشأن تخفيضات جديدة على المعاشات والمعونات التي تحصل عليها الأسر الكبيرة العدد لطرحه على البرلمان.
ويأتي مشروع القانون الجديد استجابة لآخر الشروط التي يطالب بها الدائنون الدوليون للإفراج عن حزمة الإنقاذ الثانية.
وحتى الآن أوفت اليونان بشرطين من ضمن الشروط الثلاثة لتنفيذ خطة الإنقاذ، الأول هو موافقة البرلمان على حزمة تقشف و«إصلاحات» اقتصادية من شأنها أن توفر ثلاثة مليارات يورو، إضافة إلى تعهدات مكتوبة من قادة الحزبين البرجوازيين الأساسيين بأنهم سيلتزمون بشروط الإنقاذ حتى بعد الانتخابات المتوقع إجراؤها في نيسان المقبل.
أما في الاتحاد الأوروبي فقد بدأت تتعالى الأصوات الداعية لترك اليونان لمصيرها ومن هذه الأصوات كان وزير المالية الألماني فولفانغ شوبيله الذي اقترح ترك أثينا تشهر إفلاسها. وقد شبه شوبيله اليونان بـ«الحفرة التي لا قرار لها»، على خلفية كثرة عدم تنفيذ التزاماتها تجاه الدائنين، وقد رد عليه الرئيس اليوناني بأنه لن يقبل بأن يهين الوزير الألماني بلاده.
كما صرح وزير مالية هولندا جان كوس دي ياغر لصحيفة محلية بأن الثقة تراجعت إلى أدنى مستوى، واقترح تأجيل تسلم حزمة الإنقاذ لليونان إلى حين إجراء الانتخابات العامة فيها خلال نيسان المقبل.
وبما أن الحكومات البرجوازية تمثل دائما مصالح احتكاراتها فلا يمكن وضع كلام الوزير الألماني إلا ضمن سياق ما تحدث به رئيس مجلس إدارة مجموعة بوش الصناعية الألمانية العملاقة فرانتس فيرنباغ، حيث كسر إحدى المحرمات المسكوت عنها داخل طبقة كبار المديرين والاقتصاديين الألمان، وطالب بإخراج اليونان طوعا أو كرها من منطقة العملة الأوروبية الموحدة، ومن عضوية الاتحاد الأوروبي.
وبرر فيرنباغ -الذي تعتبر مجموعته أحد أكبر منتجي قطع وأجزاء السيارات بالعالم- دعوته بأن اليونان التي تعاني أزمة ديون سيادية خانقة تعد دولة متهالكة وتمثل عبئا فادحا لم يعد ممكنا للأوروبيين احتماله.
وطالب فيرنباغ الاتحاد الأوروبي بتغيير قوانينه لإخراج أثينا المهددة بالإفلاس، إذا لم تختر الخروج من الاتحاد بإرادتها.
وانتقد فيرنباغ -في مقابلة مع مجلة مانيغير ماغزين- اليونان، مشيرا إلى أن في هذا البلد قاعدة عريضة من المتقاعدين المتلقين لمعاشات شهرية لم يؤدوا مقابلها شيئا، وأثرياء لم يسددوا الضرائب يوما، وإدارة فاشلة، ودولة كهذه ليس لها ما تبحث عنه داخل الاتحاد الأوروبي الذي ينبغي عليه تسهيل خروج أثينا من صفوفه. وتناسى فيرنباغ أن الاحتكارات الأوروبية، التي يمثل هو إحداها، بالتعاون مع البرجوازية الكومبرادورية المحلية وممثليها السياسيين، ساهمت بجزء كبير بالمآل الذي وصلت إليه اليونان اليوم.
وخلص المدير الاقتصادي الألماني المقرب من المستشارة أنغيلا ميركل إلى أن الاستمرار المجدي لمنطقة اليورو مرتبط بإخراج الدول الضعيفة والمتعثرة اقتصاديا من صفوفها، ولم يحدد رئيس شركة بوش الدول التي يمكن أن تشكل النواة الجديدة لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة.
اليوم وبعد تصويت البرلمان اليوناني على خطة التقشف الجديدة تبدو الأوضاع أكثر تأزماً من أي وقت مضى، والى جانب تفاقم الأزمة المالية هناك احتدام للأزمة السياسية، المعبر عنها بالغضب الشعبي العارم من سياسات الإملاق المطبقة والتي أدت إلى توسع دائرة الفقر والبطالة والعوز والتشرد ما ينذر بانفجارت اجتماعية كبيرة.
هو حريق أثينا، أو لعلها نيران ما قبل الحريق تنذر بالأسوأ. هل ستتمكن جمهورية الإغريق من أن تستمر على قيد الحياة دون أن تعلن إفلاسها. إشكاليات وصلت إلى طريق مسدود، وسط محدودية الخيارات والتي يكمن إحداها في العودة إلى العملة القديمة الدراخما التي تعني باللاتينية القديمة العناق. فلعل أحد الحلول الأكثر عقلانية أمام سكان بلاد الإغريق أن يعانقوا عملتهم القديمة لأن نكهة اليورو كانت علقماً على اقتصادهم، والعملة الزرقاء ضاقت بالعجز اليوناني ذرعا.
اليوم الشارع اليوناني يغلي، أما الغد فلا أحد يملك حوله الأجوبة، لأن النيران التي تملأ صدور اليونانيين تنبئ بحريق اجتماعي لن تفلح معه أية أساليب للإطفاء.
متابعة:
بدر الكردي