تصاعد التآمر الاستعماري لن يرهب الشعب السوري

طباعة


ان كنت من مؤيدي نظرية المؤامرة او لم تكن ، فإن مايجري حولنا في سورية لابد وان يكون واضحا بأنه مخطط متكامل ، تقود دفته دول الخليج المغرقة بالظلامية والرجعية ، برعاية امبريالية اميركية فرنسية صهيونية ، وطبعا مع لمسات بريطانية لا يمكن الاستغناء عنها في لعبة الامم الاستعمارية. ودول الخليج بحكم الجغرافيا والعمالة التاريخية مستعدة لهذا الدور، وايضا بحكم انشغال السادة الاستعماريين بأزماتهم الاقتصادية الخانقة التي لا تؤهلهم للتفرغ الكامل. والكرم العربي معروف هنا ، فمن كان غير متعهدي ثقوب النفط والغاز في الخليج ينقذ السادة الامبرياليين من الازمات الاقتصادية باستثماراتهم واموالهم ان كان بشراء اسلحة منتهية الصلاحية او على طاولات القمار او بشراء اندية رياضية ولاعبين ومدربين وامتياز استضافة بطولات رياضية عالمية. فما بالك ان ما يطلبه الاستعماريون منهم اليوم هو ادارة معركة وقودها ابناء الشعب السوري الذي كان عبر التاريخ يشكل لهم عقدة نقص لايستطيعون تجاوزها اواذلالها، فسورية كانت كطفل الرواية الشهيرة يصرخ في وجوههم :"الملك عارٍ.. الملك عارٍ.." وبالتالي ليس غريبا اليوم ان نرى حكومات الخليج قد استهلكت أقصى ما لديها في الحرب على سورية وألقت بثقلها منذ سنة كاملة في تمويل و تسليح العصابات الإرهابية والتشكيلات السياسية المنخرطة في الحرب على سورية وحركت خيوطها في لبنان والأردن والعراق وتركيا لتقديم الدعم والمساندة عبر الحدود كما سخرت جميع وسائلها الإعلامية منذ بداية الأحداث في تلك الحرب الهادفة لتدمير القوة السورية . وهناك في الظل كانت اسرائيل في طريق تدمير المسجد الأقصى والتمهيد لإعلان الدولة اليهودية. هل من دور مشبوه اكثر من ذلك لتلك الدول الساقطة تاريخيا وانسانيا وحضاريا لدرجة القرف. كيف لا يصعدون عدوانهم ضد سورية وهي الدولة العربية الوحيدة التي تقول "لا" لمشاريع الهيمنة الامبريالية والصهيونية على المنطقة منذ اواسط خمسينات القرن الماضي حتى الان ،كما انها تجاهر في دعمها لقوى المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق. ان الدور المنوط بأشباه الدول تلك هو ان تكون اداة تآمر اقليمية ضد أعداء اسرائيل في المنطقة فالشرق الاوسط الجديد الكبير سيبقى حبرا على ورق مادامت سورية وحلفاؤها من قوى المقاومة موجودين .لذلك مطلوب وبكل ما أوتوا من نفط ومن رباط الخيل ان يتآمروا على هذا الوطن ،سورية، للتخلص منها عبر تقسيمها وتفتيتها.
نعم فسورية بمواقفها كانت تعري انظمة الذل كلها وتثبت للشعوب في دنيا العرب ان المقاومة ليست واجبا فحسب، بل هي ممكنة ايضا كما كررها مرارا رفيقنا الامين العام للحزب د.عمار بكداش. وما جرى في ساحات التامر الدولي والاقليمي لخير دليل على انهم احرقوا سفنهم من خلفهم ، فكانت جلسات التامر في الجامعة العربية ومجلس الامن والجمعية العامة للامم المتحدة ، جولات إثر جولات ، لاستصدار قرارات تبيح استعمار سورية عسكريا ، وعبر الخطة القذرة التي استخدموها ضد ليبيا ، حيث يتم التنفيذ كما يلي: التحريض على العنف وعدم الاستقرار في البلد المختار، تسليح المجموعات المتمردة، وتوجيه تلك المجموعات بقيادة مجموعات من القوات الخاصة السرية، وعندما تتحرك الدولة للقضاء على التمرد المسلح يتم اتهامها بانتهاك حقوق الانسان. فتقوم جامعة الدول العربية في خطوة تالية بتجميد عضوية البلد، وبالتالي تضعه في خانة البلد المارق، وبالتالي توفير غطاء للقوى الغربية بحشد قواتها وتوجيه ضربات عسكرية، وارتكاب جرائم وموبقات باسم " المسؤولية عن الحماية"، وهندسة تغيير نظام الحكم بما يخدم مصالحها. هذه هي معادلة الاستعمار الجديد للأراضي العربية... بدعم من دول عربية أخرى. وهذه الخطة العلنية التي تذكر بقصة "قتل"معلن لغابريل غارسيا ماركيز،وهو سيناريو مكتوب ليس سريا ابدا و تعتبر ليبيا تجربة أولى لهذه "القصة القاتلة" التي يحاولون الآن تطبيقها في سورية في حملة محمومة وغير مسبوقة. ولنتذكر ان تجميد عضوية ليبيا من قبل الجامعة العربية ، وفرض حماية جوية ، تلاه فورا 7 شهور من القصف الجوي الاجرامي من قبل قوات الناتو،ولدعم "ثوار" الناتو المجرمين، والحصيلة عشرات آلاف القتلى المدنيين.
وهذا ما فعلته الجامعة العربية بخصوص سورية فبعد التجميد ساقت ابلها وحميرها المحمّلة بدموع التماسيح الى مضارب التآمر العالمي في مجلس الامن لاستصدار قرار يسمح لهم تنفيذ شهوتهم المشتعلة بذبح سورية من الوريد الى الوريد على الطريقة الليبية ذاتها. لكن الفيتو المزدوج الروسي-الصيني كان لهم بالمرصاد مرتين.
وأيضا لم ييئسوا فقد بدؤوا التهيئة لعقد مؤتمر "أعداء" سورية والعنوان الذي يلهثون خلفه وبغطاء تركي استعماري هو"الممرات الإنسانية" . ولكلمة "انسانية" شجون لا تعد ولا تحصى نظرا لتاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول في شن حروب إجرامية وعدوان في مختلف اصقاع الارض وتحت عناوين مشابهة بشكل عام، والنتيجة :أعداد قتلى تقدر بالملايين . ومقابل هذا المشروع فقد أشارت بعض الأوساط أنه من الواضح اليوم أن السباق يجري بين خطوات الدولة الوطنية السورية والتدخل التركي الخليجي تحت الرعاية الأميركية من خلال هذا العنوان أي الممرات الانسانية، وقد أعربت مصادر العصابات المسلحة وميليشيات مجلس اسطنبول عن خشيتها من إحكام الجيش العربي السوري قبضته على المناطق الحدودية مع تركيا وبالتالي إسقاط المراهنة الأخيرة لحكومات الخليج ولحكومة الوهم العثماني قبل اختبارها في الميدان. فقد أعلن مسؤولون فيما يسمى بالجيش الحر أن القوات السورية انتشرت بصورة كثيفة على الحدود مع تركيا. وهو ما يعني أن أي محاولة تركية قد تجري تحت عنوان إيجاد الممرات الإنسانية سوف تتحول إلى اشتباك مع الجيش السوري مما سيكون نذير حرب إقليمية تعرف تركيا حساباتها جيدا بالنظر إلى قدرات الجيش العربي السوري وواضعا في اعتبار اسطنبول لإنذاري موسكو وطهران بشأن عواقب العدوان على سورية.
وعلى الارض بينما كان متآمرو الخارج في لجة التآمر الدولي كانت ادواتهم الوضيعة تحاول التكفل بقتل السوريين عبر مختلف السواطير "الجيش السوري الحر- تنظيم القاعدة – الجهاديين - المجرمين الفارين - المرتزقةالمأجورين وطبعا من جنسيات مختلفة "لزوم تبادل الخبرة في الاجرام من افغانستان حتى ليبيا". وطبعا وللمرة الالف وعلى عكس كل ما يشاع اعلاميا فإن واشنطن والقاعدة متحدتان ضد سورية. فبينما كان أيمن الظواهري زعيم التنظيم يعلن على الملأ ادانة الحكومة السورية ويقوم بالتحريض على تقديم كل دعم لما يسمى بالمعارضة السورية.
كان عدد من أعضاء الكونغرس الاميركي النافذين يدعون بشكل صريح الى مساعدة ما يدعى بالجيش السوري الحر وتقديم السلاح والتدريب له فيما تدرس وزارة الدفاع الاميركية البنتاغون والقيادة المركزية الاميركية ما وصفته بالخيارات العسكرية ضد سورية فيما تحاول مجموعة من السناتورات الضغط في الكونغرس في محاولة لاستصدار تشريع بهذا الشأن .وحرض أعضاء المجموعة في مشروع قرار سيقدمونه الى الكونغرس على تقديم الدعم المادي والتكنولوجي لهذه المعارضة .
إن اعلام القاعدة والسعودية وقطر التي ترفع في بعض المناطق السورية المترافق مع احراق العلم الوطني واحراق علم حزب الله يكشف ماوراء التباكي على "المجازر " فالسناتور الجمهوري جو ليبرمان الصهيوني الموتور وصف مؤخرا المسلحين في سورية بالمقاتلين الشجعان من أجل الحرية ،وتزامن ذلك مع تصريح مشابه لبيريز فقد أثنى بيريز ، على «المتظاهرين السوريين الشجعان الذين يتظاهرون يومياً ويعرّضون حياتهم للخطر في ظل إطلاق النار عليهم». وبالنسبة إلى قرار الجامعة العربية بالتوجه إلى الأمم المتحدة، والطلب منها إرسال قوات عسكرية إلى سوريا، رأى رئيس دولة الاحتلال أنه «أمر شديد الأهمية في مسيرة الصراع من أجل الحرية والديموقراطية والمحافظة على قيمة الإنسان وحياة الشعب السوري». ورداً على سؤال يتعلق بالتطورات في الدول العربية، لفت بيريز إلى أن «الشرق الأوسط يتجه نحو واقع بلقاني»، في إشارة إلى احتمال تفكُّك الدول في المنطقة على الطريقة البلقانية.وعن المصلحة الإسرائيلية في سقوط الأسد ونظامه، ذكّر بأن «بشار الأسد داعم لحزب الله، وحاضن حقيقي للمنظمات التخريبية، وهو يمثّل الموقع الأمامي لإيران. لذا، من مصلحة إسرائيل أن يسقط». ولمعرفة هذا التآمر الجهنمي، ليس ضد سورية فحسب ،بل ابعد من ذلك بكثير،وهو امر قد يفسر ايضا جانبا من جوانب الاستنفار الروسي الصيني ضد مثل هذه المخططات الجهنمية . فقد كشف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الثعلب هنري كيسنجر عن خطة أمريكية لتولي زمام الأمور في الشرق الأوسط، "نظرا لأهميتها الإستراتيجية لنا خاصة أنها تحتوى على البترول وموارد اقتصادية أخرى".
وأضاف, احد ابرز أقطاب “الصهيونية” العالمية, أن طبول الحرب تدق الآن في الشرق الأوسط وبقوة ومن لا يسمعها فهو بكل تأكيد أصم.وأشار إلى انه إذا سارت الأمور كما ينبغي سيكون نصف الشرق الأوسط لـ"إسرائيل"، وقال “لقد تلقى شبابنا في أمريكا والغرب تدريبا جيدا في القتال خلال العقد الماضي، وعندما يتلقون الأوامر للخروج إلى الشوارع ومحاربة تلك "الذقون المجنونة" حسب تعبيره, فسوف يطيعون الأوامر ويحولونها إلى رماد.
وأضاف بعدها نبني مجتمعا عالميا جديدا لن يكون إلا لقوة واحدة وحكومة واحدة هي الحكومة العالمية "السوبر باور"، قائلاً, :"حلمت كثيرا بهذه اللحظة التاريخية".
وأضاف "لم يبق إلا خطوة واحدة، وهى ضرب إيران وعندما تتحرك الصين وروسيا من غفوتيهما سيكون الانفجار والحرب الكبرى التي لن تنتصر فيها سوى قوة واحدة هي "إسرائيل" وأميركا، وسيكون على "إسرائيل" القتال بما أوتيت من قوة وسلاح لقتل أكبر عدد ممكن من العرب واحتلال نصف الشرق الأوسط".
وأوضح كيسنجر أن إيران ستكون المسمار الأخير في النعش الذي تجهزه أمريكا و"إسرائيل" لكل من الصين وروسيا بعد أن تم منحهما الفرصة للتعافي والإحساس الزائف بالقوة ، حسب تعبيره. وكأمر عمليات في هذه الخطة فإن السفيرالأميركي في سورية روبرت فورد قد عرّج بعد مغادرته دمشق الى واشنطن على العاصمة الفرنسية باريس بهدف اللقاء مع المعارضة السورية. وقد التقى فورد فعلاً مجموعة من المعارضة كان من بينها برهان غليون وبسمه قضماني. وتوجه السفير فورد الى المعارضين السوريين بالتعليمات التالية: "دمروا البنى التحتية السورية وخصوصاً في دمشق وحلب، بحيث يضج المواطنون من المعاناة التي سيتسبب بها الدمار وبالتالي تعثر الخدمات وتعطيل المصالح الحيوية للشعب والدولة". وتابع فورد: "كونوا على ثقة أن عملية تدمير البنى التحتية كفيلة وحدها باسقاط النظام".
تلك حسابات "الحقل" الاستعماري الذي لا يوافقه ابداً حساب "بيدر" الشعب السوري، الذي يسطر آيات من الصمود . وكل هذه الحرب وأنواع التآمر الاستعماري على سورية والشعب ماضٍ ويؤكد أنه سيضمد جراحه التي أصابت جسده من سهام مغموسة بسموم شتى. سيمضي الى مستقبل وضاء فهذا الشعب الجبار يستحق حياة كريمة في وطن حر سيد دون منغصات الليبرالية الاقتصادية التي كانت شريكا في التآمر على سورية وشعبها.

أسامة الماغوط

18 - أيار - 2012