الدستور الديمقراطي فعلاً يجب أن يلبي الجانب الديمقراطي الاجتماعي

الدستور قضية جدية لدرجة أنه لا يمكن تركها للحقوقيين وحدهم

طباعة


ألقى الرفيق د. عمار بكداش الأمين العام للحزب الشيوعي السوري في مجلس الشعب في جلسته المنعقدة بتاريخ 16/2/2012 المداخلة التالية:
حول مسألة الوضع المعيشي للجماهير الشعبية التي تعاني من غلاء الأسعار, نحن قلنا قبل ثلاثة أشهر وتحت هذه القبة أنه إذا ما ثُبتّت موازنة الدولة التضخمية هذه لعام 2012 فإنها ستؤدي إلى انخفاض بسعر الليرة السورية, ونُظر إلينا آنذاك وكأننا نتكلم بالخيال العلمي, والآن يطبق هذا الخيال.
هذا ألف باء علم الاقتصاد, وللأسف أرى أنه هناك توجهات لتجاوز علم الاقتصاد.
ما يخص الأزمة السياسية الاقتصادية, فهي مساهمة بشكل جزئي بهذا الوضع ولكن تضخيم موازنة الدولة بحدود 45% دون أن يكون هناك دخل فعلي أدى لهذا التضخم, إذاً المسبب الأساسي لهذا الوضع هو هذه الموازنة التي للأسف أُقرت بهذا الشكل تحت هذه القبة الكريمة.
بما يخص الدستور: إن الدستور ليس قانوناً آنياً, الدستور ينظم حياة البلاد لفترة طويلة جداً, هناك دول نعرفها دستورها مقر منذ أكثر من مائتي سنة ولم تجرِ إلا عدة تعديلات على هذا الدستور.
لذلك إن الاستعجال بإقرار الدستور أراه لا يتوافق مع أهمية هذا التشريع.
إن إعطاء الصلاحية بوضع الدستور للحقوقيين فقط – مع كامل احترامي للحقوقيين- هي خطوة غير سليمة.
قال كليمنصو في العام 1917: «إن الحرب قضية جدية لدرجة أنه لا يمكن تركها للعسكريين وحدهم», وأنا أقول إن الدستور قضية جدية لدرجة أنه لا يمكن تركها للحقوقيين وحدهم.
من ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل, أنا أفتخر أنه في العام 1973 جرى إقرار أكثر دستور تقدمي في دنيا العرب ومن أكثرها تقدماً في دول الأطراف, الدول النامية: إنه دستور الجمهورية العربية السورية. دعونا نتذكر كيف أقر هذا الدستور:
((مرسوم رقم 208
رئيس الجمهورية
بناء على قرار مجلس الشعب في جلسته المنعقدة بتاريخ 30\1\1973 وتاريخ 20\2\1973- أي أنه نوقش لمدة ثلاثة أسابيع- بإقرار مشروع دستور الجمهورية العربية السورية, وعلى المرسوم التشريعي رقم 8 تاريخ 1\3\1973 المتضمن أحكام الاستفتاء على الدستور, وعلى المرسوم رقم 199 تاريخ 3\3\1973 المتضمن دعوة المواطنين للاستفتاء على دستور الجمهورية العربية السورية بتاريخ 13\3\1973 وعلى نتيجة الاستفتاء على الدستور المعلنة بقرار وزير الداخلية رقم 166 ..... الخ
يرسم ما يلي:
مادة (1) : ينشر في الجريدة الرسمية دستور الجهورية العربية السورية المرفق بهذا المرسوم والذي أقره الشعب بالاستفتاء الجاري بتاريخ 12\3\1973 ويعتبر نافذاً من تاريخ 13\3\1973
رئيس الجمهورية
حافظ الأسد ))
فإذاً كان هناك مراعاة لجميع المراحل: اللجنة وضعته, القيادة السياسية ناقشته, الهيئة التشريعية درسته وأجرت التعديلات عليه, ثم طرح على الاستفتاء العام.
نحن نرى أنه لو اتبعنا هذه الإجراءات لكان هذا أفضل ولكُنا تجاوزنا العديد من النواقص الموجودة في المشروع الحالي وهي واضحة للعيان, لكن في الوضع الحالي لا نعرف كيف يمكن تدقيقها!!.
لقد أورد بعض الزملاء بضعة أمثلة على ذلك, كطعن في عضوية مجلس الشعب من قبل المحكمة الدستورية وهذا ليس موجوداً في أي بلد في العالم. إن المحكمة الدستورية تقترح ذلك ولكن في نهاية المطاف فإن القرار لمجلس الشعب, لا سيادة على مجلس الشعب.
بالنسبة للمادة الثامنة من مشروع الدستور الحالي أقول: نحن بذلنا كل جهدنا في قانون الأحزاب لإزالة بعض الجوانب غير الصحيحة وغير الواضحة المتأتية لا أدري من أين!
مثلاً عدم تأسيس أحزاب على أساس فئوي أو مهني, أي لا يمكن تأسيس أحزاب على أساس طبقي, وهذه آتية من الأنظمة الشمولية, وهي ليست طبيعة ديمقراطية. لقد بذلنا كل جهدنا وأزلناها من قانون الأحزاب من خلال رفعنا للمذكرات و..الخ وهنا في هذا المشروع تعود هذه الصيغة.
إن حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب طبقي, والأحزاب التي تنشأ حالياً هي أحزاب طبقية تمثل رجال الأعمال.الخ فكيف نضع بند دستوري نحد من خلاله الكثير من الأحزاب؟!.
هناك نصوص في المشروع من المعيب وجودها أصلاً في الدستور كأن من وضعها هو رئيس مخفر, مثلاً (تسهم الأحزاب السياسية المرخصة) أليس من المعيب وضع كلمة مرخصة في الدستور؟ يمكن وضع ذلك في قانون ولكن ليس في الدستور.
لقد قيل إنه لا مثيل لهذا الدستور, وأنا أقول بل إذا ما بحثنا في دساتير شمال أفريقيا السابقة أو الحالية نرى أمثلة كثيرة لهذا الدستور.
كان هناك انجازات كبيرة جداً في دستور العام 1973 الذي كان يتميز بالديمقراطية الاجتماعية التي تعني حقوق الكادحين, حقوق العمال, حقوق الفلاحين, يعني الصحة, يعني حتى إطلاق تسمية مجانية الدراسة, وهنا نرى التراجع عنها في هذا المشروع.
قد يكون هناك بعض التقدم في مجال الديمقراطية السياسية، ومع ذلك هذا موضوع بحث, لكن فيما يخص الديمقراطية الاجتماعية، للأسف، هناك بعض البنود غير واضحة كما كانت عليه في دستور عام 1973.
إن الظروف الحالية والمواجهة مع الإمبريالية والمواجهة مع الصهيونية, تقتضي بالذات إشراك أوسع الجماهير في مناقشة وإقرار هذا الدستور ليكون لنا نبراساً في مواجهة العدو.

د. عمار بكداش

18 - أيار - 2012