لا أعتقد أن أحداً من المناضلين الفلسطينيين وفي البلدان العربية والأحرار في العالم، الحريصين على استعادة حقوق الشعب العربي الفلسطيني المغتصبة، لا يريد ولا يرغب بإعادة توحيد الصف الفلسطيني، بوصفه قوة لابد منها لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس العربية وحق العودة.
وهذه الأهداف النبيلة والمحقة للشعب الفلسطيني، لم تتمكن المفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية، حتى على الاقتراب منها، رغم مرور أكثر من عشرين عاماً عليها، أي بعد اتفاقيات أوسلو المخزية، التي لم تساهم سوى بتعميق الشرخ بين الفلسطينيين، بين تيار تعب النضال ومّلَ من مجابهة المعتدي الإسرائيلي الصهيوني، وبات على استعداد للتنازل عن الحقوق المشروعة التاريخية للشعب الفلسطيني، الذي لم يخول هؤلاء المتخاذلين بالتخلي عن حقوقه العادلة، وبين جماهير الشعب الفلسطيني التي ترفض منطق التنازلات المجانية وهدر الحقوق، واستعدادها الدائم لرفع لواء المقاومة كنهج وسلوك، لكونه الأسلوب الوحيد الذي أثبت نجاعته في استرداد ما أغتصب من أرض ووطن على أيدي الغزاة الصهاينة المدعومين من طغاة العصر الإمبرياليين في واشنطن ولندن وباريس وعملائهم الرجعيين العرب.
ولنا في المقاومة اللبنانية البطلة والعراقية الباسلة مثال، أثبتت بأن قوة المعتدي الغاصب المادية لا يمكن أن تقابل إلا بقوة مادية »، (حسب قول ماركس).
ولكن السيد محمود عباس، الرئيس غير المؤتمن على حقوق هذا الشعب المشرد من وطنه قبل أكثر من ستين عاماً. وكأنه لم يفهم بأن إصراره على المفاوضات العبثية، تشبه مراقصة الجدران اليهودية، التي من غير الممكن أن تهتز أو تهدم إلا بقوة سواعد أبطال المقاومة الشريفة وفكر وثقافة الرافضين للذلّ الذي تمارسه حكومات تل أبيب بحق شعب فلسطين.
لقد تناسى محمود عباس وجوقته ما قاله أبا إيبان عام /1969/ وزير الخارجية الإسرائيلي المحنك: «إن حدود عام /1967/ هي حدود الهولوكوست» متناغماً مع ما قاله موشي دايان، واضعاً حدود ما قبل الرابع من حزيران بأنها حدود الانتحار. أو ما كان مبعوث الخارجية الأمريكي السابق، الصهيوني دينيس روس، بقوله لزواره من الحكام العرب، بأن طلبكم أن تتخلى إسرائيل عن «أورشليم ــ (القدس)» كمن يطلب من الأمريكان التخلي عن نيويورك أو مصر عن القاهرة.
ومحمود عباس يرى في المصالحة الفلسطينية وسيلة لترويض رافعي لواء المقاومة، والانضمام إلى جوقة ما يسمى الاعتدال العربي، أي الخيانة العربية لقضية فلسطين، لم يصغِ ولا يريد أصلاً أن يسمع ما يردده غلاة الصهيونية، بنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان، بأنه لا دولة البتة في يهودا والسامرة. ويذكرون الفلسطينيين والعرب دائماً بمشروع ييغال آلون الذي اعتبر الأردن المكان المثالي لحل مشكلة فلسطين، أما عرب عام /1948/ فعليهم الاختيار بين شبه جزيرة سيناء أو الربوع اللبنانية.
ويتساءل الكثيرون في هذه الأيام، هل المسار الفلسطيني سيتوج حسب نبوءة زئيف جابوتنسكي التي أطلقها عام /1923/، والقائلة «بضرورة إقامة حائط الفصل حول هيكل سليمان الذي يجب أن يحج إليه ويدور في فلكه جميع من يقطن في الشرق الأدنى، والذي يقتضي تفتيت المجتمعات العربية على أساس طائفي وإثني؟!».
لا أحد ضد المصالحة الفلسطينية، ولكن ما هي الجدوى من هذه المصالحة إذا لم تساعد في إحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني؟ وكيف يمكن الثقة بهذه المصالحة، إذا كان عرابوها عملاء إسرائيل وخونة القضية الفلسطينية من عمر سليمان إلى حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر ورئيس وزرائه وزير الخارجية حمد بن جاسم. فالأمير حمد بن خليفة وعقب انقلابه على والده، بادر لتسريع العلاقات بين قطر وإسرائيل، وطوّر علاقة التبعية مع الولايات المتحدة عبر توقيع اتفاقية دفاع مشترك معها، والسماح لأمريكا بإقامة قواعد عسكرية في قطر منتهكة سيادة هذه الإمارة القزمة ومهددة أمن المنطقة. وحمد الأمير هو من طالب بإلغاء مقاطعة إسرائيل اقتصادياً وسياسياً من قبل العرب بعد ثلاثة أشهر فقط من توليه الحكم.
وفي أيلول عام /1994/ أعلن مجلس دول التعاون الخليجي عن وقف المقاطعة الاقتصادية غير المباشرة المفروضة على الشركات العاملة في إسرائيل ما أزال واحدة من أبرز العراقيل التي كانت تعيق عمل الشركات العاملة في إسرائيل ودول النفط الخليجية، وتلا ذلك إقامة علاقات بين إسرائيل وهيئات ومؤسسات وشركات طيران عربية، مثل الخطوط الجوية الأردنية، والخطوط الجوية القطرية، وغيرها من الشركات التي ألغت القيود المفروضة على المسافرين والبضائع القادمة من إسرائيل إلى الدول العربية. إضافة إلى اتفاقيات ثنائية إسرائيلية ــ قطرية في مجال الزراعة وصناعة الألبان وغيرها. وهناك خطة لمشروع غاز بين قطر وإسرائيل والأردن يجري تنفيذه، في إطار سياسة إلغاء الحصار الاقتصادي المفروض على إسرائيل، وتأخر هذا المشروع بسبب احتجاج مصر التي تزود إسرائيل بالغاز. ومما أعطى لقطر دوراً كبيراً يعود لتبعيتها الكاملة للولايات المتحدة الأمريكية وتحالفها الوثيق مع إسرائيل، إضافة إلى الأسباب الاقتصادية المتعلقة بالغاز والنفط. مما أتاح لقطر توظيف أموال هائلة في النشاط السياسي لصالح المشاريع الأمريكية والصهيونية في المنطقة، وتقويض حركات المقاومة ضد إسرائيل والمشاريع الأمريكية. وهذا المال السياسي القطري والسعودي وغيره من الأموال الخليجية التي توظف لمحاربة النهج المقاوم في سورية العربية وحركات المقاومة في المنطقة.
ورغم الدور القذر القطري المعادي لحركات التحرر الوطني العربية، وفي مقدمتها حركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي والعدوانية الأمريكية. يذهب قادة حركة حماس لقطر لتقبيل يدي القرضاوي وكأنهم لم يسمعوا شكره وإعجابه بالمجتمع الذي بني في إسرائيل وإعجابه بالديمقراطية الإسرائيلية. والشيخ القرضاوي والحمدين، يتعامون عن سعي إسرائيل لفرض الأمر الواقع وإزالة المعالم العربية والإسلامية والمسيحية عن مدينة القدس العربية، لقطع الطريق على أي تسوية سياسية مستقبلية، حول مدينة القدس التي يجري تهويدها ليل نهار.
وتدل الحقائق على الأرض بأن أكثر من /10%/ من مساحة الضفة الغربية، عزلت داخل جدار الفصل العنصري، إضافة لعزل مناطق الأغوار الفلسطينية التي تمثل /26%/ من مساحة الضفة الغربية، لمنع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. إضافة إلى مصادرة مئات الآلاف من الدونمات في الضفة الغربية وانتزاعها من أصحابها الفلسطينيين لإقامة جدار الضم والتوسع. وهناك مئات من الكيلو مترات المربعة التي تنتزع من أراضي الضفة الغربية لصالح بناء المستعمرات اليهودية. ويتم كل ذلك بموافقة ضمنية بل وتشجيع فعلي من قبل عربان الخيانة في الخليج وخاصة مشايخ قطر والسعودية.
ومن المستغرب لأولئك الذين ينظرون إلى ظواهر الأمور، كيف يمكن لمشعل أن يثق بالمفاوضات تحت غطاء مزيف «المقاومة السلمية» ونزع سلاح المقاومة؟!.
فهل يمكن أن تكون المصالحة بالطريقة التي يريدها محمود عباس أن تعيد الحق لأصحابه الشرعيين؟!.
إنه التضليل والتزييف بذاته، والمتاجرة بقضية شعب حُرم من وطنه الأم لقاء حفنة من الدولارات القطرية والسعودية الوسخة.
إن الشعب الفلسطيني أثبت خلال تاريخه النضالي الطويل، أنه قادر على الصمود والتمسك بأرضه ووطنه الأم فلسطين. وأن المناورات للمنبطحين والمهرولين لن تحيد هذا الشعب البطل عن طريق النضال القويم في سبيل حقوقه المشروعة.
د. إبراهيم زعير