صربيا: المصلحة الوطنية في مواجهة الهرولة الأوروبية

طباعة


جرى في يومي /14 و 15/ شباط الجاري، استفتاء للصرب القاطنين في شمال ما يسمى «بجمهورية كوسوفو» حول اعترافهم بسلطة وأنظمة هذه «الجمهورية». ومن المعروف أن هذه الجمهورية تشكلت من خلال التدخل المباشر من قبل الاتحاد الأوروبي وحلف الشمال الأطلسي مكرسة انقسام هذه الجزر من صربيا، والتي يشكل المهد التاريخي للأمة الصربية. وجرى إسكان هذه المقاطعة بالألبان خلال الحكم العثماني لصربيا، وبالنتيجة شكلوا أكثرية سكان المقاطعة ما عدا قسمها الشمالي، الذي جرى فيه الاستفتاء المذكور.
وشارك في الاستفتاء /75%/ من المواطنين الذين يتمتعون بحق التصويت وكانت النتيجة أن /99.74%/ منهم، رفضوا الاعتراف بأجهزة الحكم المشكلة من قبل سلطات بريشتينا (عاصمة ألبان كوسوفو) والخضوع لها. وبذلك فقد أكد الصرب القاطنين في شمال كوسوفو أنهم يعتبرون أنفسهم مواطني صربيا وليس أي دولة أخرى، وأنهم لا يعترفون بالتشريعات الكوسوفية ولا بشرطتها ولا بجماركها .... الخ.
إن هذا الرفض يتلاءم تماماً مع قرار مجلس الأمن رقم /1244/، الذي يضمن وحدة الأراضي الصربية. كما أن الدستور الصربي أيضاً نص على أن مقاطعة كوسوفو وميتوخيا ذات الاستقلال الذاتي هي جزء لا يتجزأ من جمهورية صربيا. ولكن رغم هذا، فلا يتلق صرب كوسوفو دعماً رسمياً في نضالهم من أجل حقهم في البقاء أحراراً على أرضهم. لاشك أن الملايين من الصرب يدعمونهم ولكن وضع القيّمين على الأمور غير ذلك.
ومن الطبيعي أن ترفض سلطة بريشتينا نتائج الاستفتاء. فقبل أربع سنوات هذه السلطة المافيوية والعميلة أعلنت من طرف واحد عن استقلال كوسوفو. وحالياً اعترف بذلك العديد من دول العالم من بينهم، بل في طليعتهم، الولايات المتحدة الأمريكية، و /22/ دولة في الاتحاد الأوروبي من /27/ دولة عضو. ومن الرافضين للاعتراف بهذا الواقع إسبانيا واليونان من دول الاتحاد الأوروبي، أما من دول الأعضاء في مجلس الأمن فموقف روسيا التقليدي معروف بتقديم الدعم لصربيا. ويجب القول، أن الاعتراف الأوروبي جرى، بالرغم من حملات الترهيب والتنكيل التي تقوم بها العصابات المتجسدة بسلطة بريشتينا.
وتقوم المفوضية الأوروبية في كوسوفو والإدارة الموقتة لهيئة الأمم في هذه المقاطعة والقوات العسكرية التابعة لها (كفور) بتقديم الدعم المتنوع للعصابات العميلة المتحكمة في المقاطعة تحت شعار «حق تقرير المصير».
ويقول إيفورفوينوفيتش زعيم حركة «الوطن» لسكان كوسوفو في تصريحه إلى إذاعة «صوت روسيا»: إن نتيجة الاستفتاء تعني أنه نحن نرفض إخضاعنا لسلطة الإرهابيين الألبان.
ويقول المحللون أن ما يصعّب موقف صرب كوسوفو في الدفاع عن حقوقهم هو الموقف المشين للإدارة الصربية. فبالرغم من تصريحها بأنها لن تعترف باستقلال كوسوفو ولا بشكل من الأشكال، فهذه الإدارة تقدم تنازلاً تلو التنازل، للاتحاد الأوروبي وحلف الشمال الأطلسي في هذا المجال. فقد أعلن الرئيس الصربي بوريس ناديتش أن هذا الاستفتاء يهدد المصالح الوطنية الصربية، وليس له أي معنى.
إن هذا الموقف المتخاذل ينبع من كون الرئيس بوريس تاديتش وأنصاره يرون أن الهدف الأساسي الماثل أمامهم هو في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي. وقد وعِدوا أنهم إذا تميزوا بالسلوك المقبول (أقرأ: التخلي عن المصالح الوطنية) فيمكن أن تستحوذ صربيا في آذار القادم على وضع العضو المرشح للاتحاد الأوروبي. ومن أجل ذلك جرى تسليم إلى محكمة لاهاي أشخاصاً يعتبرون أبطالاً وطنيين في صربيا مثل الرئيس الراحل ميلوسوفيتش وغيره، ومن أجل ذلك تجري التضحية بوحدة البلاد وبمصير وحياة مواطنيها.
وجدير الذكر أن الكثيرين في صربيا يشككون بقيمة الجائزة الموعودة. ويقولون متهمكين في أنه في السابق كان الجرذان يهربون من السفينة قيد الغرق، أما الآن فالجرذان يسارعون إلى ركوبها.
ويجب أن لا ننسى أن المأساة الصربية الحقيقية بدأت عندما وصلت إلى السلطة نتيجة «ثورة وردية» قوى مدعومة من حلف الشمال الأطلسي، التي استطاعت أن تسقط نظام الحكم الوطني في صربيا.

خالد الأمين

18 - أيار - 2012