ميركيل تفقد حليفها المخلص

طباعة


يوم /17/ شباط الجاري أعلن رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية كريستيان وولف عن استقالته بالكلمات التالية: «ألمانيا تحتاج إلى رئيس يستطيع أن يفرغ نفسه كلياً لخدمتها. وقد بيّن تطور الأحداث خلال الأسابيع الأخيرة أنني لا أستطيع أن أقوم بمهامي، لذلك فإني أتخلى عن منصبي». لقد قـُدمت استقالة الرئيس وولف بعدما وجهت النيابة العامة لمقاطعة سكسونيا الدنيا إلى البرلمان الألماني طلباً برفع الحصانة عن السيد وولف. فحسب ادعاء النيابة العامة أصبح عندها معطيات عديدة للتحقيق بالسلوك المريب لرئيس الدولة.
وجدير ذكره أن الفضيحة حول الرئيس الألماني بقيت مستمرة ثلاثة أشهر، والعديد من الساسة الألمان عبروا خلالها عن قناعتهم وقناعة المواطنين الألمان، كون أن وولف بسلوكه الذي ضعضع هيبته المعنوية، حرم نفسه من تبوؤ المنصب الرفيع. هذا حسب مقاييسهم الأخلاقية.
أما إذا اعتمدت مقاييس العالم الثالث، فأعماله ليست بمشينة. وما هي المشكلة، حسب تلك المقاييس أن كريستيان وولف عندما كان رئيساً لوزراء مقاطعة سكسونيا الدنيا، اقترض من صديقه رجل الأعمال المتمكن إيفون هيركنس قرضاً ميسراً بمقدار /500/ ألف يورو. وبنهاية المطاف تم الاقتراض ليس من هيركنس نفسه بل من زوجته المصون. وبعد ذلك صرح للصحفيين أن ليس له أي علاقة مادية مع رجل الأعمال هذا. وهذا ليس حتى كذباً، بل عدم قول كامل الحقيقة. والمهم أنه سدد القرض مع فوائده الميسرة.
وطبعاً، بعد ذلك، ما كان عليه أن يهدد رئيس تحرير جريدة «بيلد» كابي ديكمان والذي قرر أن ينشر القصة المتعلقة بهذا القرض الميسر إلى جانب عدم التفوه بكامل الحقيقة. ولكن وولف اعتذر على تصرفه هذا لاحقاً!؟.
ولكن خلافاً لدول العالم الثالث، فإن العدالة في ألمانيا لا تغضّ النظر عن مثل هكذا السلوك المقترن بعدم قول كامل الحقيقة وتوجيه التهديدات، ولا تكتفي بالاعتذارات. ففي حال استغلال الوضع الوظيفي أو الكذب المتعلق بالسلوك العام، على الموظف مهما كانت مكانته أن يتحمل المسؤولية أمام أجهزة القضاء. لأن السلوك المشين للمسؤول يحط ليس من مكانته فقط، بل من مكانة سلطة الدولة التي يمثلها. فالشيء الذي تشجعه الدول الإمبريالية في الأطراف، لا تتسامح به أبداً في عقر دارها، حفاظاً على أركان سلطتها.
أما من الناحية السياسية المباشرة، فإن استقالة الرئيس كريستيان وولف تخلق إزعاجاً كبيراً للسيدة أنغيلا ميركيل. فالكل يعرف كم بذلت السيدة ميركيل من جهود لإنجاح السيد وولف في انتخابات الرئاسية عام /2010/، وكم واجهت من انتقادات وتحديات حول هذه المسألة داخل حزبها أيضاً. وبالنتيجة جرى انتخاب السيد وولف رئيساً بعد جلسة مضنية للجمعية الانتخابية الألمانية التي تضم كل أعضاء البوندستاغ (البرلمان الألماني) إلى جانب ممثلي عن برلمانات المقاطعات، خلال اقتراعات متعددة امتدت لفترة تسع ساعات.
والآن على السيدة ميركيل أن تجد بديلاً مناسباً للسيد وولف، بالرغم من الدور البروتوكولي لرئيس الجمهورية في ألمانيا، وضمن الظروف الأكثر تعقيداً، إذا فقدت تمثيل حزب حليف لها وهو الليبراليون الأحرار، مسكينة أنغيلا، التي أطلق عليها في الفترة الأخيرة لقب إمبراطورة اليونان، ازدادت همومها. وأين؟ في عقر دارها.

مهدي خالد

18 - أيار - 2012