الزراعة هي خلاصنا..فماذا تنتظرون؟

طباعة


لم تـُقام مهرجانات وحفلات تكريم وبطولات إنتاج للزراعة في بلدان كثيرة من العالم مثلما أقيمت في سورية، ولم نكدْ ننهي الاحتفال بمهرجان القطن الرائع، حتى كنا نتجهز للاحتفال بعيد ميلاد القمح المذهل، ولم ننسَ مهرجانات كروم الجبل وخضروات السهل وحمضيات الغاب وشعير البادية، والمواطن السوري كان يشاهد هذه الاحتفالات والتي لم يكن ينقصنا إلا أن تعتبرها الحكومة أعياداً وطنية، الملايين أنفقت عليها، والكلمات والخطب والأشعار كانت كافية لملء مجلدات وليس كتباً، هذا الأمر انطلقت منه الجهات المسؤولة ــ وهي محقة ــ من أن سورية بلد زراعي أصيل والزراعة هي ــ أو يجب أن تكون ــ قاطرة الاقتصاد الوطني، وباعتبارها هكذا ــ نظرياً على الأقل ــ فكان يجب الاهتمام بها وبالمزارعين والفلاحين على قدر أهمية الزراعة ودورها الأساسي في دعم وتقوية الاقتصاد الوطني.
لكن الزراعة السورية تعرضت لهجوم معاكس بقصد تدميرها تدريجياً بقرارات خاطئة، ظالمة، جائرة بحق المزارع والزراعة. ولن أستفيض في نبش دفاتر ماضي الحكومات السابقة و «إنجازاتها» بحق الزراعة السورية، لأن الأهم اليوم أن نقدّم حلولاً واقعية ممكنة التحقيق سريعة النتائج لبقاء الوطن صامداً، أما محاسبة من كان السبب فعلى ما يبدو أننا سنتركها كغيرها من عمليات التخريب بحق الوطن لمحاكمة التاريخ العادلة.
اليوم وأكثر من أي وقت مضى يجب دعم وتقوية الزراعة بكل الإمكانات فالوضع خطير جداً والظروف الاستثنائية تحمل في طياتها مفاجآت غير سارة والرهان المستمر على إركاع سورية كبير من قبل قوى التآمر الخارجية والداخلية، لذلك فلا يجب اليوم أن نتعامل مع هكذا قضية بحجم الوطن بأدوات تقليدية.
لكن ما يتخذ من قرارات يا ريت أنه عامل الزراعة كما كانت سابقاً بل بالعكس الهجوم مستمر على الزراعة، وكأن الحكومة لا تدرك ما يحاك من مؤامرات لضرب مقومات الصمود السوري. وللعلم فإن المتآمرين نفسهم .. نـَفـَسُهمْ طويل ولذلك لكل من كان يقول وما زال يقول ــ خلصت ــ المؤامرة لم تخلص وربما ستستمر سنين. لذلك من الواجب الوطني أن نستعد لمعركة وطنية طويلة الأمد، والزراعة هي طريق الصمود إذا اعتمدنا عليها ودعمناها كما يجب.
لكن، ماذا يجري؟ وكيف تتخذ القرارات المتعلقة بهذا الشأن؟ لا أعرف، ولا يمكنني أن أصدق، فالشغل الشاغل للحكومة هو دعم الصادرات والمصدرين وكأن تجارنا نافسوا الصين في تجارتهم، أو كما سمعنا مؤخراً: «ضرورة تفعيل صندوق دعم الصادرات والعمل على تشكيل لجنة تضم عدداً من الصناعيين مهمتها إعداد دراسة عن الدول المستهدفة للتصدير من ناحية حجم السوق والمنافسين الرئيسيين والزبائن». من يصدّق أن هكذا إجراء سوف يُتخذ والبلد فيها ما يكفيها، وهل مصلحة بعض التجار أهم من مصلحة الوطن، ثم من تلك الدول التي ستدرسوها وتدرسوا منافسي صناعيينا وتجارنا فيها إذا كانت نصف الكرة الأرضية تحاصرنا اقتصادياً؟
ماذا يجري في الساحة الزراعية الوطنية؟
بداية وقفت الحكومة متفرجة أمام كارثة لحقت بمزارعي الحمضيات في الساحل بسبب خسارات فادحة لحقت بإنتاجهم، وإذا كانت التبريرات الحكومية جاهزة من أن وضع البلد لم يسمح بنقل وتسويق الإنتاج للمحافظات مما أدى لزيادة العرض أمام الطلب، إضافة للظروف الجوية التي سادت المحافظات الساحلية من عواصف وأمطار شكلت ضربة قاسية أدت لتساقط الثمار عن أغصانها وتلفها، صحيح لكن نسأل الحكومة: من كم سنة ولم تجد الحكومة آلية تسويق منصفة وعادلة للمزارع رغم الكثير من المباحثات والمناقشات والدراسات والمقترحات من أصغر رابطة فلاحية حتى أعلى هيئة في اتحاد الفلاحين وتوأمه وزارة الزراعة؟
وبعد الكارثة انتظر الفلاحون تعويضاً معيناً للخسائر فلم يحصلوا على شيء، وانتظروا رفع مبالغ الدعم السنوي للمزارع، لكنهم ما زالوا ينتظرون، وربما سيطول الانتظار!!.
أما العجب العجاب فكان قرار مفاجئ للحكومة بتخفيض قيمة الدعم الذي سيقدم للقطاع الزراعي إلى نحو (/24/ مليار ليرة) خلال العام الجاري من صندوق دعم الإنتاج الزراعي، مقارنة بدعم مباشر قـُدم في عام /2009/ وهو عام انطلاقة الصندوق بلغت قيمته (/34/ مليار ليرة سورية)، أي هناك تخفيض مقدّر بـ (/10/ مليارات ليرة سورية)، فكيف تأخذ الحكومة هذا القرار في هذا الوقت؟.
كان الواجب زيادة الدعم أو بالحد الأدنى إبقاء هذا الدعم كما كان، فكيف يمكن أن يكون القطاع الزراعي قاطرة للاقتصاد السوري بهكذا دعم، وإن أي خلل في القطاع الزراعي ستكون له آثاره القاسية على باقي القطاعات المرتبطة به بشكل مباشر وغير مباشر، وبالتالي سيتأثر الصمود الوطني سلباً، وللتذكير فإن دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة تقدّم لقطاعها الزراعي دعماً تصل قيمته إلى (/480/ مليار يورو)، مع أنها لا تعد دولاً زراعية مثل سورية.
من المسؤول عن انخفاض نسبة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من /24%/ إلى /14%/ خلال السنوات القليلة الماضية؟.
لماذا ترصد المبالغ المليارية لقطاعات افتراضية وهمية لا تخلق فرص عمل ولا تساهم بفعالية في الناتج المحلي الإجمالي وتخفض مبالغ دعم الزراعة؟
الزراعة السورية في خطر، وهذا الخطر واقعي ولا يجب تدويره مثل مئات مطالب الفلاحين التي كان يسمعها المسؤولون في الاجتماعات الفلاحية والمؤتمرات الزراعية ويطنشون كثيراً منها، لأن الوطن في خطر والمطلوب إركاع سورية، والصمود الوطني المشرّف سيستمر إذا دعمنا الزراعة، ونفذنا سياسات وإجراءات زراعية تحقق دعم الزراعة وجعلها قاطرة فعلية للاقتصاد الوطني السوري، أما الانتظار والتصرّف وكأن الكون واقف حولنا فهذا وهم وخطأ كبير وخطر عظيم سيتهدد بلدنا، فماذا تنظرون؟.

عادل معصوم عمر

18 - أيار - 2012