مواقف وآراء

طباعة


الشاعر السوري نزيه أبوعفش في حديث صحفي:
عدوِّي الوحيد على هذه الأرض هو النظام الأميركي
اجرت صحيفة السفير لقاء مع الشاعر السوري نزيه ابو عفش تحدث فيه عن رايه بالاحداث الجارية في سورية.قال فيه:
نحن اليوم لسنا ذاهبين إلى لينينغراد لنقيم الثورة البلشفية، نحن مدفوعون بالقوة وبانعدام الضمير العالمي إلى الحرب الأهلية، وهذه لا تعني إلا الموت العام، نحن لا نعنيهم، ولا يستطيعون الانتصار إلا إذا متنا، فإن لم ندخل في لعبة الموت حتى النهاية وإلى أمد طويل فماذا سيستفيدون؟ هيلاري كلينتون تقول: يُخشى من حرب أهلية في سوريا، لا نحن لسنا أغبياء، لقد بلغتُ من العمر خمسة وستين عاما وأعرف القراءة والكتابة، لا يا سيدة كلينتون أنتم لا تخشون من وقوع حرب أهلية؛ بل أنتم تصنّعونها. إن كل من يساهم في صناعة الحرب الأهلية في سوريا أو يوافق عليها، أو لا يحتج على وقوعها، أو ليس لديه الطاقة الأخلاقية على رفضها والعمل على إيقافها، هؤلاء جميعهم مجرمون، وإذا كنت أنتَ منهم فأنت مجرم، لا تغطي لي الجرائم بأقنعة الورد وبمفردات اللغة الجميلة الحلوة كالديمقراطية والحرية وغيرها، من قال لك أن الديمقراطية هي سورة المائدة؟ الديمقراطية في اللغة الإسلامية هي كالطهارة والنجاسة، عليكَ أن تختار أنت طهارة أم نجاسة؟ ديمقراطي أم غير ديمقراطي، لا يا صديقي الديمقراطية هي حيلة القتلة واللصوص لتسويق أعمالهم، دُلني في العالم أين توجد هذه التي يسمونها ديمقراطية؟ في أميركا؟ حتى هناك في أميركا يدفعون مئات ملايين الدولارات لتمويل الحملات الانتخابية فقط من أجل أن تختار مرشحاً من أحد حزبين جمهورياً أو ديمقراطياً، فإذا اخترت أحدهما تذهب بك الحكاية لما بعد أربع سنوات، وعندها ستختار أيضاً إما جمهورياً وإما ديمقراطياً، عدا ذلك لا يمكنك المطالبة بأي شيءٍ آخر، هذه هي الديمقراطية.
وردا على سؤال ان المعارضة تصر على أن ما يجري في سوريا هو ثورة من أجل الديمقراطية والحرية والعدالة؟ جاء في جوابه:
إنهم يمارسون فعل الإلغاء عبر تصنيفات تبررها كلمات كالثورة والديمقراطية والحرية، فليس كل من قال أنه الثورة أركع وأشعل له شموعاً، مُرحباً به: أهلاً وسهلاً أنت الثورة، لا تخيفوني بكلمة الثورة، هذه الكلمة العظيمة والمباركة التي يجب أن أقف لدى سماعي لها باستعداد، لو كنتُ سأقف لكلمة الثورة باستعداد لوقفت لها منذ أربعين عاماً، لكننا لم نقف وقتها باستعداد ولم يعاقبنا أحد على ذلك، أجل دفعنا بعض الضرائب، لكننا لم نخف لأننا لم نغنّ للثورة، أما الآن فأنا لا أجرؤ حتى على القول بأنني ضد الثورة، لا أجرؤ على إعلان موقفي من هذه الثورة، اليوم صار هناك أكثر من خمسين كلمة مقدسة وعليك أن تقول لدى ذكرها على مسامعك: صدق الله العظيم، عليك أن تقول صدق الله العظيم على كلمة المعارضة، وصدق الله العظيم على كلمة الحرية، وصدق الله العظيم على كلمة الطهارة، وصدق الله العظيم على كلمة الديمقراطية، أنا شخصياً هارب من التصنيف، وأرجو أن لا ينسى أحد أنني رجل ماركسي شيوعي علماني لي عدو وحيد على هذه الأرض هو النظام الأميركي، وعندما أقول النظام الأميركي فضمناً أعني إسرائيل.
المطلوب اليوم هو حرب أهلية، وأقسم لك أنه إذا كان الأميركيون والأوروبيون والإسرائيليون غير فرحين حتى أقدامهم لما يحدث اليوم في سوريا فأنا سأصطف إلى جانب المعارضة، أنا حيث تفرح أميركا لا أستطيع أن أكون، المشكلة أنّه في سوريا لا يوجد معارضة واحدة، هناك مجموعة معارضات، منها من أتفق معه، ومنها من لا أتفق، لكنك لا تعرف بمن تثق اليوم، ومن ستعقد عليه الأمل، حقيقةً لا أحب أن أستشهد بقول لعلم من أعلام الشيوعية كمكسيم غوركي لأن مثقفي الحداثة اليوم يتعاملون مع غوركي كما يتعاملون مع المنفلوطي، ومع ديستويفسكي كما يتعاملون مع إحسان عبد القدوس، غوركي يقول عن المثقفين إنهم الجراء التي ترضع من أثداء البرجوازية واللصوص، المثقفون هم أرخص الكائنات. أذكر عندما وقّعنا بياناً حول دخول الجيش السوري إلى لبنان كان المثقفون يتباهون بهذا البيان، ويشدون على أيدينا، لماذا اليوم لا يقف المثقفون اللبنانيون إلى جانبنا، صحيح أصدروا بيانات، لكنها بيانات لإرضاء الأطراف نفسها التي وقّعوا بيانهم الأول من أجل إرضائها، إنها لعبة الكسب على ضفتي الخندق،
وتابع ابو عفش في اجابته على سؤال آخر:
ماذا حدث عندما جاءت تلك الديمقراطية إلى العراق؟ هل تحب أن أفتح لكَ التلفاز كي تتفرج على ديمقراطية العراق؟ أم أنكَ رأيتها؟ هذه الديمقراطية أخافها كما أخاف المثقفين، إنهم يريدون ديمقراطية على مقبرة، المثقفون العراقيون كانوا يريدون الديمقراطية بمن فيهم أحزاب يسارية، وعلى رأسهم رئيس حزب شيوعي؛ أحزاب عراقية ناضلت أكثر من خمسين عاماً من أجل حياة كريمة للشعب العراقي، لكنهم وبعد دخول الديمقراطية عملوا كماسحي أحذية لدى العسكر الأميركي، وفي نهاية المطاف كان لابد لهم من ضحية، فكانت ضحيتهم سعدي يوسف، الشاعر الأعزل المغلوب الذي لا يتقن صنع شيء في الحياة سوى أن يكتب شعراً؛ جميعهم فتكوا بسعدي فقط لأنه يصرّ حتى الآن أن يقول عن نفسه أنه شاعر ماركسيّ يكره أميركا، سعدي يوسف أحد أكثر المثقفين العرب شجاعةً لأنه واحد من قلة ممن يعرفون العلاقة بين الخسارة والشرف، ولهذا أطالب بتنظيم حملة لتسمية أحد شوارع دمشق باسمه، وأقول له أنت لستَ الشيوعي الأخير فأنا توأمك اليتيم، سعدي الذي لم تكفِه سكاكين المثقفين العراقيين للفتك به فانضمت إليها سكاكين الجيش السوري الديمقراطي على صفحات الفايس بوك؛ رأيتهم كيف هجموا عليه بصفته شاعراً ماركسياً، وهنا سأكتفي بقول: اللعنة. ماذا تريدون.. ديمقرطية؟ الديمقراطية أداة للعيش على ما يسمونه البلاد، العيش مع بشر، لكن أن تريد ديمقراطية دون بلاد ودون بشر فهذه دعارة، أنا شخصياً لا أعرف كيف أتصرف مع الديمقراطية، وخصوصاً ذلك الصنف من دعاتها.
وقال الشاعر السوري:
كتبت لهم في صفحتي على الفيسبوك: البيت يوشك على الانهيار على رؤوس الجميع وأنتم تتذابحون على من يحق له بأن يحمل المفتاح، فردوا عليّ أن هذا ليس بيتاً، اذهب وابحث لكَ عن بيت، لكن هذا بيتي؛ ومعي صك ملكية به ولي جزءٌ من عتبته وجداره وشجرته وهوائه؛ إذاً هو بيت؛ لكن يبدو أن الديمقراطية الفاشستية التي تتشدقون بها لا تعني إلا شيئاً واحداً: هي حقكم في أن تكونوا أنتم طغاة وسفاحي المستقبل، بعدها كتبتُ يومية عنونتها بـ«الهالكون» والتي قلتُ فيها: «إذا كان لابد من موت أحد ونجاة أحد فهذا يعني أن الجميع هالكون» فانقض عليّ اثنان من عتاة الديمقراطيين السوريين المقيمين في باريس، أحدهم قال لي أنني بكلامي هذا أساوي بين القاتل والقتيل، مع أن هذا الكلام قلته منذ أربعين عاماً وتماماً في مقدمة كتابي «كم من البلاد أيتها الحرية» عندما كتبت: وأما أنا فأرى أن الحرية قضية عظمى تستحق أن يعفى الإنسان من الموت في سبيلها، كانوا وقتذاك هم أنفسهم يتمسحون بي ويعتبرونني صوت ضميرهم لأنني كنت أقول هذا الكلام؛ أجل إنني لا أساوي بين القاتل والقتيل، بل أساوي بين القتيل والقتيل، وأضيف ما لن يرضيهم أبداً: وأساوي أيضاً بين القاتل والقاتل، ثم خرجتُ من الفيس بوك؛ هذا الميدان الدموي هو بالفعل ليس إلا إسطبلا للفاشستية الديمقراطية.
------------------
دردشات على رصيف الوطن..
كوكتيل سياسي.. !!!
في الأمس القريب .. وحين دخلت محل الخضار والفواكه في سوق البلدة، فوجئت بواحدٍ من معارفي القدامى، وقد طالت لحيته واتسعت صلعته وضاقت عيناه الثاقبتان .. حتى أني كدت لا أعرفه .. لولا نبرة صوته الأجش الهادئة والحنونة والتي نادتني مدهوشة! نضال!!؟ .. فأجبت على نفس التردد وعلى نفس النغمة الموسيقية: محمود!!؟ .. «واندغرنا» على بعضنا مصافحة وتبويساً!!..
تذكرت .. نعم إنه صديقي الذي كان يجلس في المقعد الواقع أمام مقعدي بالضبط في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية حيث افترقنا من يومها ولم أره حتى هذه اللحظة، ولكني كنت أتلقط أخباره من هنا وهناك، وكنت أسمع عن ماركسيته الشيء العجيب، وعن ثورويته الشيء الغريب إذ بلغني أنه يرتدي بزة ماوتسي تونغ ويلتحي عكوزة لينين ويحمل غليون ستالين، ويتأبط كتاب الثورة المغدورة بنفس الوقت الذي يكتب فيه التقارير الدورية بزملائه وأقربائه وجيرانه، ويسهر الليالي الملاح في الكباريهات، بعد أن ذهب إلى الحج مرتين فقط لا غير .. وها هو اليوم واحد من ثوار الناتو .. أي ثوار هذه الأيام الذين يخلطون القرضاوي على برهان غليون ولا يميزون بين هو شي منهّ، والعرعور وباتوا يعتقدون أن (جدة) آل سعود! .. هي هانوي العرب!! وأن واشنطن هي المركز الأممي الوحيد لتصدير آخر موديل لمايوهات الربيع العربي .. الديمقراطي على الطريقة الإسلامية.
تبادلنا أطراف الحديث والمجاملات: كيفك؟ .. وين صرت؟ كيف حال الأولاد؟
لكن الأمر لم يدم طويلاً .. فلم نجد أنفسنا إلا ونحن غارقون في بحر أصواتنا المتلاحم ولنتأكد أننا قد خضنا في غمار الوضع السوري المتأزم بدليل أنه كان يصرخ في وجهي: أصبحت يا ديكتاتوري يا عميل تشافيز وكاسترو وأحمدي نجاد وحسن نصر الله .. روح واحد شيوعي ... معقد!!..
وكنت بنفس الوقت أصرخ في وجهه .. يا عيب الشوم يا أجير أوباما، يا خادم العرعور، يا زلمة الحريري وسمير جعجع ... روح واحد رجعي .. متخلف!
وزيادة مني في الاستفزاز قلت لهذا الناتوي وبهدف أن أجلطه نهائياً كلمتي (مؤامرة ومشاريع إمبريالية ...) .. لكنه لم يتركني أكمل حديثي، إذ قاطعني صارخاً وعيناه تقدحان شرراً: (مؤامرة يا ابن ...) وفي الحقيقة لم تصبني الشتيمة فحسب بل رافقها قصف عشوائي بحبات الباذنجان الأسود .. وحبات البندورة الحمراء .. المهم أنني لا أعتبر نفسي مهزوماً رغم إصابتي ببعض الرضوض والكدمات .. لا على العكس فأنا أعتبر نفسي منتصراً، فالرجل من يومها وهو ينطّ ولا يحطّ، ويجنّ ولا يكنّ كلما تذكر كلمة مؤامرة أو تردد في مسمعه عبارة مشاريع إمبريالية!!..
*****
أعتقد أن الحساسية المفرطة في كلمة مؤامرة عند البعض يتأتى من الخلط بين هذا المفهوم ومفهوم التفسير التآمري للتاريخ ... فالمؤامرة هنا تأتي بمعنى التخطيط والتنسيق والإعداد للمشاريع السياسية المستقبلية في إطار الصراع الطبقي والوطني .. أي أن الأساس هو الصراع الطبقي والمؤامرة هي في المحصلة وسيلة من وسائل هذا الصراع .. وإلا ما معنى ظهور دولة إسرائيل على التراب الفلسطيني؟
هل هي ظاهرة طبيعية في الحياة السياسية الدولية أم جاءت كحالة قسر يعبّر عن إرادات استعمارية تريد الهيمنة العسكرية والسياسية على المنطقة للسيطرة على ثرواتها الباطنية وخاصة اكتشاف النفط فيها، وجعلها أسواقاً استهلاكية لبضائع المراكز الإمبريالية!؟..
والغريب أن أصحاب الحساسية المفرطة من كلمة مؤامرة، لا يتوانون بربط أي واقعة مؤذية بالنظام السوري سواء أكانت صالحة للربط أو غير صالحة، فكل انفجار وكل حالة قتل وكل حالة تخريب السبب فيها النظام ووراءها النظام حتى لو كان الشخص هو ذاته من قام فيها ... (أي الشخص المعارض للنظام) .. وكأن هذه العقلية بريئة من مفهوم المؤامرة وإن كانت هنا تخضع وبامتياز للتفسير التآمري المريض.
*****
في مقاله الهام المنشور في مجلة النهج عام /2000/ رقم /58/ والذي حمل عنوان: «أمريكا: عولمة تحت السلاح» والذي يتحدث فيه المفكر الماركسي المعروف (سمير أمين) عن المراحل التي تكوّن وانتشر فيها مشروع الهيمنة الأمريكية، إذ أقامت الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية منظومة عسكرية لا مثيل لها في التاريخ تستطيع أن تطال أية بقعة في كوكبنا وتفاقم هذه القوة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والتي تعمل على قدمٍ وساق لمنع أي تقارب إستراتيجي بين أوروبا الغربية وروسيا والصين وتعمل على إخضاع الجميع إذ لا عولمة بدون إمبراطورية عسكرية أمريكية تقوم على إحلال الناتو محل الأمم المتحدة وتكريس التناقضات ضمن أوروبا والاعتماد على القذف الجوي والامتناع عن إنزال قوات عسكرية برية أمريكية (بالطبع حدث عكس ذاك في احتلال العراق) والقيام أحياناً بهذا الدور من قبل القوات الأوروبية إن لزم الأمر وتوظيف الديمقراطيين وحقوق الشعوب ــ كما يقول سمير أمين حرفياً ــ لصالح الخطة الأمريكية وذلك طالما أتاحت الظروف استغلالها في خطاب موجه للرأي العام ويتابع (هناك نظم غير ديمقراطية لن تعاقب طالما أنها لا تهدد مصالح رأس المال المهيمن ــ للشركات المتعدية الجنسية) ويقول أيضاً «إن النضال من أجل الديمقراطية تقتضي بالضرورة النضال ضد الهيمنة الأمريكية».
ويقول سمير أمين متابعاً: «إن واشنطن ستسعى إلى التخلص من تلك القوى العربية التي تقف عقبة» في سبيل تحقيق السلم (الإسرائيلي بالطبع) .. وما هي تلك القوى؟: حزب الله في جنوب لبنان وسورية بالقطع، فلابد أن ندرك تماماً أن واشنطن تتجه الآن نحو ضرب هذه القوى، ولاشك أن الإدارة الأمريكية ستوظف بهذه المناسبة الحجج السهلة المعروفة مثل تعصب حزب الله وغياب الديمقراطية في سورية، مرة أخرى نشاهد هنا العمل طبقاً لمبدأ الكيل بمكيالين إذ لا ترى واشنطن مانعاً في تسليم الحكم للحركات الإسلامية (غير الديمقراطية) طالما أنها لا تهدد تلك المصالح الغربية المذكورة»، انتهى الاقتباس.
هذا الكلام الدقيق النابع من تحليل ماركسي مبدع والمكتوب عام /2000/ والذي تثبت اليوم الوقائع نبوءته ليس بحاجة إلى شرح وتعليق بقدر ما هو بحاجة إلى إعادة قراءة وفهم ونضال لا يتوقف لإنجاز إصلاح داخلي وضروري في جميع المجالات إذ لا إبداع بلا ديمقراطية ولإلغاء كل قيود الوراثة السلفية التي تقف عقبة في سبيلها كما يقول سمير أمين نفسه.
نضال الماغوط
ملاحظة: ورد خطأ في مقالي السابق (القيام بالواجبات) حيث ورد اسم العميل سعد حداد والصحيح العميل (أنطون لحد).
---------------
المصالحة الفلسطينية ــ الفلسطينية
أثيرت، وتثار المصالحة في هذه الأيام بطريقتين، الأولى والأهم هي عبر المظاهرات، التي جرت من قبل في الضفة من أجل وحدة الفلسطينيين. إنها كانت تمثل حقيقة الطموح الشعبي الفلسطيني للانطلاق من التشتت القائم نحو وحدة فلسطينية شاملة، ملتفة حول النضال في سبيل رفع مختلف أشكال المعاناة القائمة عن الشعب.
أما الطريقة الثانية، فليست واقعياً مصالحة فلسطينية، بمقدار ما هي مصالحة بين طرفين فلسطينيين، هما قيادة فتح وقيادة حماس. وفي هذا المجال سواء كانت المصالحة استئنافاً للوساطة المصرية، أم نتيجة لاتصالات مباشرة، أو لوساطات أخرى، فلن ينتج عنها وحدة فلسطينية، بمقدار ما ينتج اتفاق على اقتسام أكثر عدلاً لمغانم أوسلو.
ربما أدبيات قيادة فتح السياسية تختلف عن نظيرتها لدى قيادة حماس، غير أن واقع الحال متشابه. «دولة» الضفة تعيش في بحبوحة رغم الضغط والعدوان الإسرائيلي على الشعب، وكذلك هي «دولة» غزة. الأولى تتعاون أمنياً مع إسرائيل، وتعيش في راحة بال، والثانية تبقى في هدنة غير مكتوبة مع إسرائيل. وفي نفس راحة البال.
أيضاً الإطار العربي يبارك راحة البال هذه ، لأنها جزء من راحة باله، أما الثورات العربية، التي حصلت، وتحصل، فإنها على بطولاتها لن تغير الكثير في الأمد القريب. رواسب الأنظمة القديمة باقية، والهيمنة الأمريكية باقية، إن لم يكن عبر الإدارات، فعبر ضعف التطور، والليبرالية الجديدة، التي تدمر العالم الثالث.
الشعوب العربية تعاني الاستعباد، استعباد الأنظمة، والاستعباد القبلي والطائفي، الذي هو ربما أقسى من استعباد الأنظمة. سيد القبيلة، الذي قد لا يصلح حارساً ليلياً، يأمر، فيطاع، وقد يصبح رئيس دولة، أو قائداً سياسياً، إلخ.
ولكي تتخلص الشعوب (العربية وغيرها) من طبقات العبودية المتراكمة، تلزمها ثورات وثورات.
وكانت قضية فلسطين مفجراً للثورات العربية، فمأساة /1948/ أدت إلى تحولات كبيرة في المنطقة العربية، رغم أن الكثير منها كان بفعل الانقلابات العسكرية: لقد تقلصت الرواسب الإقطاعية إلى حد كبير، وأخذ الأفراد العرب يشعرون تدريجياً أنهم مواطنون. كانوا ينظرون إلى الباشا، أو إلى الحاكم، على أنه نجم عالٍ، يستضاء به، وغير مسموح الاقتراب منه، فأصبح الأول والثاني في نظر الفرد العربي أقل اعتباراً من الإنسان العادي. أي أن شخصية المواطن العربي نمت إلى درجة كبيرة، وهذا تطور ليس بالقليل. وانتصرت ألإدارة الأمريكية عبر أنظمة رجعية، واقتصادات ضعيفة، وفقر وقمع وإذلال، فتراجع حس المواطنة لدى الفرد العربي، ليصبح طوعاً أو كرهاً إلى رقم في الرعية.
والثورات، التي حصلت، والتي تحصل، أهميتها هي في أن الفرد يسترد، ولو على حساب حياته، قيمته كمواطن. ولكن العدو أقوى بكثير.
القضية الفلسطينية بركودها الأسلوي لم تفجر أي تحولات في المنطقة العربية.
ينظر المرء إلى المأساة الفلسطينية، كمراقب، إما غير مهتم، أو يشعر بتعاطف ضعيف «مساكين الفلسطينيين (!)». وقد يشعر المرء في المنطقة العربية بمأساته، قبل أي مأساة أخرى.
المأساة الفلسطينية ما يزال بإمكانها أن تكون مفجراً على مستوى المنطقة العربية، ولكن إذا عادت للنضال، الأمر الذي يمكن أن يبدأ بمجلس وطني فلسطيني منتخب على ساحتي الداخل والشتات. وهو أمر ممكن رغم صعوبته. أو بعودة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الوظيفة النضالية، التي أُنشئت هي من أجلها، وهذا يحتاج نقلة نوعية تنظيمية وبرمجية، بمعنى إعادة النظر في برنامج أو برامج عملها. ربما يجب أن تكون الفصائل الفلسطينية متساوية الوزن في العضوية وفي الدور القيادي. أيضاً من المفروض أن يخرج النضال من حيز اللافتات والشعارات إلى خير العمل المنظم البعيد الأفق.
وإذا ما استطاع العمل الفلسطيني أن يتنفس بروح جديدة، فإنه حينئذ يتجاوز مفهوم المصالحة المحدود، ويؤدي إلى الوحدة الفلسطينية، كما أنه يمكن أن يكون مفجراً ثورياً للمنطقة العربية.
محمد الجندي
--------------
ورم خبيث اسمه الفساد!!
منذ حوالي سبع سنوات قالها رئيس الحكومة الأسبق غير المأسوف عليه وأمام مجلس الشعب: (أصبح الحديث عن الفساد مثل قصة عنترة).
منذ ذلك الحين .. والفساد يستمد منه مظلته الشرعية .. فتعددت قصصه وتنوعت أساليبه واتسعت غاياته .. حتى بات الفساد العامل الأهم الذي يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي لسورية، وبات الفاسدون قوة قاهرة لكل الشرفاء المحبين للوطن.
منذ ذلك الحين .. وما زالت الهوة تزداد اتساعاً ما بين الأجور والأسعار فالفقراء يزدادون فقراً بينما الأغنياء تتضاعف ثرواتهم ويحارون أين يودعونها.
منذ ذلك الحين .. وما زال اختيار الكوادر والموظفين والعمال على أساس الواسطة والمحسوبيات والمحاباة، وليس على أساس الكفاءة والخبرة، وما زالت معدلات البطالة في ارتفاع مخيف.
منذ ذلك الحين .. وتحقيق سيادة القانون أصبح حلماً بعد أن كان مطلباً ملحاً جائزاً .. فتراخي القانون والمرور فوقه وفساد القضاء وإصدار القوانين المكبلة وغير المدروسة، بالإضافة إلى التجاوزات الكثيرة في العقود والمناقصات والتي فاقت /150/ مليار ليرة في السنة والتهرب الضريبي والذي تجاوز /300/ مليار ليرة سنوياً .. كل ذلك فوّت على الخزينة العامة للدولة مئات المليارات من الليرات السورية.
يضاف إليه الإفساد من قبل الجهات الخارجية التي تسعى إلى الحصول على عقود وصفقات تجارية عن طريق شراء الذمم والإغراءات المالية والترفيهية.
منذ ذلك الحين .. وحدودنا أصبحت أكثر إنفلاشاً واستباحة من قبل المهربين وصل إلى حدود فاقت التصورات من تهريب المخدرات والمال ومؤخراً السلاح الذي استعمل لضرب أبناء الوطن.
منذ ذلك الحين .. وما زالت الحكومة متمسكة بسياستها الليبرالية التي حرقت بنيرانها ما تبقى من خضرة في سورية .. فسارت بالزراعة والصناعة الوطنية نحو الحضيض بينما جعلت التقصير والفوضى والإثراء غير المشروع في ازدهار.
فإلى متى؟!
إلى متى السكوت عن الفاسدين والمفسدين؟ عن المزورين والسماسرة والمرتزقة؟.
إلى متى السكوت عن انتهاك حرمة المال العام وعلى المكشوف؟
إلى متى السكوت عن هذا الوضع المقلوب؟ حيث الجشع وسارق المال العام والمرتشي يحارب صاحب الضمير الحي واليد النظيفة.
أما آن الأوان لاقتلاع من عايش الفساد ومارسه ونشره ولم يقمعه؟
أما آن الأوان لإبعاد القلوب الخاوية من الضمائر والرؤوس المحشوة بالطمع والجشع والنفوس المفعمة بالأنانية والمعادية للوطن؟.
نحن أمام مرحلة جديدة وحساسة لا تحتمل إضاعة الوقت بل وجوب العمل وبكثير من الحزم والصرامة والسرعة في اتخاذ القرارات والإجراءات المناسبة بعيداً عن كل الأشكال السابقة والمجربة (هيئات ــ لجان ــ مسميات مختلفة تحمل مضموناً واحداً: محاربة الفساد) والتي سرعان ما وقعت فريسة للفساد.
وقالها الرسام والشاعر والروائي والمسرحي والصحفي العراقي يوسف الصائغ:
«أنا لا أنظر من ثقب الباب إلى وطني .. لكن من قلب مثقوب».
د. نادن ميرزا

18 - أيار - 2012