مهرجان المهرجانات... أفلام كانت ستعرض في مهرجان دمشق السينمائي 2011

طباعة


بعيداً عن أضواء الإعلام المرئية والمقروءة، وغياب الجوائز التي تعودنا نحن جمهور السينما أن نراها وهي تتوزع في ختام مهرجان دمشق السينمائي على نجوم من شتى أنحاء العالم وبغياب الفلم العربي. في هذه الظروف أقامت المؤسسة العامة للسينما تظاهرة (مهرجان المهرجانات) في صالتي كندي بدمشق ودمر (الشام الجديدة)، حيث عرضت على مدى أسبوعين عدد كبير من الأفلام الحاصلة على جوائز عالمية "كالأوسكار" و"كان" وغيرها، وكان من المقرر أن تكون هذه الأفلام ضمن برنامج مهرجان دمشق السينمائي 2011.
ورغم الدعاية الشبه المعدومة كما ذكرت، امتلأت صالتا الكندي بالحضور أثناء عروض بعض الأفلام بالكامل ، عموماً الحضور كان جيداً وهذا دليل على أن عشاق هذا الفن ما يزال يهوى الصالة وطقسها، وينتظر أفلاماً جديدة من السينما السورية.
"حدث ذات مرة في الأناضول"
وصل عدد الأفلام التي عرضت في مهرجان المهرجانات خمسة عشر فلماً وكلها ذات سمعة عالمية وصاحبة أرفع الجوائز التي تخصص للفن السابع من خلال مهرجاناته. وسنقف في هذه الإضاءة مع عدد من العروض، وسنبدأ من حيث انتهت التظاهرة أي مع الفيلم التركي (حدث ذات مرة في الأناضول) الحاصل على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي الدولي ،مناصفة مع الفلم البلجيكي (طفل على الدراجة)، من إخراج نوري بيلج جيلان وتأليف محمد إرمليز، وبطولة إركان كيسال، ويلمز أردوغان.
ومخرج هذا الفيلم (نوري بيلج جيلان)واحد من المخرجين الذي يحظون باحترام كبير في مهرجان كان السينمائي، فاز ثالث أعماله الطويلة (بعيد) بجائزة التحكيم الكبرى، وجائزة أفضل ممثل، إضافة إلى فوز فيلمه (مناخات) بجائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما (فيبريسكي)، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان السينمائي عن فيلم “القرود الثلاثة” عام 2008.
يخرج فيلم(حدث ذات مرة في الأناضول) من نمطية السينما والدراما التركية التي وقعت فيها في السنوات الأخيرة، حيث يستغل أصحاب العمل أحداث جريمة قتل غامضة في سهول الأناضول، يعترف مرتكبها بجرمه وعلى أثرها يشكل فريق للبحث، مؤلف من ضابط، وطبيب، ومدعٍ عام وسائقين، وموظفي دولة، وحفاري قبور، وقوات الشرطة السرية لتمشيط المنطقة وكشف جثة المغدور الذي قتله أثنان من أصدقائه وهما ثملان، وفي رحلة البحث هذه يتطرق كل من أعضائها إلى مواضيع مختلفة عن الموت، والانتحار، والقيم الأخلاقية، وماضيهم الشخصي، وأعمالهم، ويسهم الحديث الموسوم بلحظات الخوف والقلق في التعرف إلى جوانب سلبية في حياة كل شخص منهم لتكون قصة أخرى للفلم ويبقى حدثه الأساسي شبه ثانوي.
استخدم الفيلم معظم التقنيات السينمائية والمؤثرات الاحترافية، الأمر الذي أسهم في تناغم الدراما مع الرهان على السرد البصري، دون أي استثناء للعناصر السردية من بيئة ومواقع تصوير ودراما وشخصيات، وبالرغم من أن فيلم (حدث ذات مرة في الأناضول) درامي بوليسي، فإنه لا يتعلق كثيراً بقصة القتل قدر تعلقه بإلقاء الضوء على عالم البيروقراطية، والاهتمامات الراسخة التي تسيطر على الحياة السياسية في مدينة صغيرة بتركيا، ليضعنا أما سؤال محتوم وهو وماذا في مدنها الكبيرة؟ كأستنبول مثلاً، الذي كتب عنها يشار كمال.
جائزة دب برلين الذهبي
لم نبتعد عن تركيا جغرافياً لنتحدث عن جارتها إيران وفيلمها (انفصال نادر عن سيمين) الذي عرض في المهرجان والحائز على جائزة دب برلين الذهبي السينمائي، ونال قبل أيام جائزة أفضل فيلم أجنبي في جوائز غولدن غلوب وبالتالي فهو ينافس بقوة على جائزة الأوسكار، وهو من تأليف وإخراج أصغر فرهاوي وبطولة ليلى حاتمي ,سارينا فرهاوي ,بيمان مؤدي، شهاب حسيني.
لاشك بأن السينما الإيرانية أصبحت اليوم واحدة من أهم السينمات العالمية.
أصغر فرهاوي في فيلمه (انفصال نادر عن سيمين) لم يخرج عن النطاق الذي أرسلت فيه السينما الإيرانية  رسالة إنسانية واضحة للعيان وسيل من الأفكار الناقدة للمجتمع والسياسة والولوج إلى نظرة دينية عقائدية واجتماعية طبقية وغلف تلك الأفكار في نص محكم ومتوازن تجد فيه المتعة والرقي في حواراته ودقة الصورة.
والفلم يسرد قصة عائلة تتكون من زوج وزوجة وابنة، وتبدأ الحكاية عندما يقرر فيها الزوجان الانفصال والمشهد في قاعة المحكمة حيث تطلب سيمين الانفصال عن زوجها لأنها تود الهجرة من إيران، والزوج يرفض ذالك لأنه يود الاعتناء بوالده المصاب بمرض الزهايمر, وبسبب ترك سيمين المنزل يقوم نادر بتوظيف احدى الخادمات الفقيرات لخدمة والده المعاق وطفلته التي ترفض الرحيل مع والدتها.
وعقدة الفيلم الحقيقية تبدأ عندما تترك الخادمة وهي حامل الوالد المريض وتربطه بالسرير عند غيابها وفي إحدى المرات يقع الأب من السرير ويكاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة إلى أن يصل الابن وينقذه ويطرد العاملة من المنزل وبالتالي تدعي عليه بأنه ضربها وأجهضها فتدور جريمة قتل الجنين بين أخذ ورد ويصبح نادر مهدداً بالسجن.
خطاب الملك
كما عرض الفيلم الفائز بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل وأفضل نص أصلي ليصبح ما حصده أربع جوائز أوسكار في دورته الأخيرة. وهو (خطاب الملك) من إخراج توم هوبر وبطولة الممثل الإنجليزي كولين فيرث، الفيلم يحكي قصة الأمير الانكليزي (ألبرت) الابن الثاني للملك جورج الخامس ، وأبو الملكة الحالية إليزابيت ، والذي لقي نفسه بغتة على عرش الإمبراطورية البريطانية باسم جورج السادس بعدما تملص شقيقه الأكبر من المسؤولية كي يتزوج من المرأة التي يحب.
هذه القصة معروفة. لكن الفيلم يتناول جانباً آخر لها. فالملك الجديد عنده مشكلة مزمنة في النطق. والكلمات تخرج من فيه بعد عناء وتأتأة وبشكل محرج جداً له وللمستمعين. والأدهى أن مُلكه تصادف مع ظهور اختراع جديد اسمه البث الإذاعي. في الماضي كان يكفي للملك أن ينفخ صدره ويلوح لشعبه بكبرياء.. الآن صار مطالباً بأن يخاطب شعبه عبر الراديو ويبث فيه روح الأمل لاسيما والحرب العالمية الثانية تبتلع البلاد في نفس الوقت.
تكتمل الصورة حين يقدم الفيلم  لنا شخصية (ليونيل لوك) خبير النطق الذي أشرف على علاج الأمير وساعده على مجابهة أكبر عقدة في حياته. والأحداث مبنية على مذكرات غير منشورة عثر عليها مؤخراً.
وكان للسينما الدانماركية نصيب في هذا النشاط من خلال فيلم(في عالم أفضل) للمخرجة سوزان بيير. ويستعرض كيف مزقت الحرب البسطاء في السودان
يروي الفيلم في مساره الرئيس قصة طبيب دانماركي يذهب إلى إفريقيا لمعالجة المرضى الفقراء من منطلق إنساني، ورغم مواقف العنف التي يراها هناك، والتحرشات التي يتعرض لها في بلاده من بعض الجاهلين، إلا انه يقابل ذلك كله بروح مُسالمة، إيماناً منه أن هذا الأسلوب هو الأجدى في مواجهة العنف والجهل والتطرف، لكن أطفاله لا يفهمون طبيعته ويرون أنه ضعيف ويخشى من مواجهة الأقوياء، فيبدأ حينها بمساءلة نفسه؛ هل ل"الطيبة" قيمة في عالمٍ تتنازعه قوى الشر؟. إنه يرى أمراء الحرب في إفريقيا وهم يغتصبون الفتيات الصغيرات ويقتلونهن بوحشية بالغة، فهل يقف أمام ذلك كله مكتوف اليدين؟
وبهذا الفيلم حققت المخرجة الدنماركية سوزان بيير أوسكار أفضل فيلم أجنبي متوجةً بذلك نجاحها الذي كانت قد أحرزته قبل خمسة أعوام بفضل فيلمها السابق "بعد الزواج" الذي صوّرت فيه المأزق النفسي الذي تعيشه امرأة وابنتها بعد العودة المفاجئة للزوج من أقاصي الهند. كما عرض في المهرجان فيلم «الجلد الذي أعيش فيه» للأسباني بيدرو المودوفار، «وشجرة الحياة» للمخرج ترنس مالك الحائز على السعفة الذهبية لمهرجان كان ومن الأفلام الهامة التي عرضت أيضاً كان (قصة دمية) الحائز على أوسكار أفضل فيلم رسوم متحركة للعام 2011.

adresmorad@gmail.com

إدريس مراد

18 - أيار - 2012