يمكنني الآن أن أضم صوتي لصوت وزارة السياحة وكل مسؤوليها، ويمكنني الآن أن أصدق أن البلد مليئة بملايين السوّاح، بعد أن أصبحت أشاهد ذلك بعيني وأم عيني وأخت عيني.
قبل سنوات طويلة، وقبل أن تفوز بعقود تشغيل شبكتي الخلوي بشكل حصري ومتجدد، الشركتان المعروفتان، لم يكن ــ الموبايل ــ قد غزى جيوب السوريين وقام بإفراغ ما تبقى منها من قروش، كنت أشاهد سوّاحاً أجانب وأصدقاء وأشقاء، وأثناء تجوالهم في أسواقنا وتبضعهم منها، وكان معظمهم يحمل جهازاً في يده، اكتشفت أن هذا الجهاز هو آلة حاسبة، لأن السوّاح، كانوا يقومون بعمليات ضرب وجمع وتقسيم وطرح والرفع إلى أسّ ــ رقمي ــ وثم العودة إلى التجذير التربيعي أو التكعيبي، حتى يتوصلوا إلى نتائج رقمية تلاءم إمكاناتهم المادية، ومن المؤكد أن هذه العمليات كانت تستند إلى قيمة الدولار الأمريكي مقابل عملتهم الوطنية من جهة، ومن جهة ثانية قيمة الدولار الأمريكي اللعين مقابل الليرة السورية.
ولا أخفيكم سراً أنني كنت أعتقد أن ما يحمله السائح في يده جهاز هاتف محمول، حتى توضحت الصورة لدي.
اليوم تحول عدد كبير من المواطنين ــ تجار كبار، تجار صغار، أشباه تجار، بسطجية، باعة متنقلين ــ إلى سوّاح لكن من الداخل.
وسط غياب الحكومة وعجز مؤسساتها عن فرض تسعيرة نظامية واحدة على منتج واحد، أصبحت حال السوق الاستهلاكية مثل حال ــ حارة كل من إيده إله ــ فلا حسيب ولا رقيب، والفوضى هي السائدة في أسعار كل احتياجات المواطن.
التجار الكبار بدؤوا يسعّرون بضائعهم المستوردة قبل الأزمة حسب سعر الدولار اليوم، وكذلك تجار المفرق، وصولاً إلى صاحب الميني ماركت، فالجميع لديهم آلاتهم الحاسبة الظالمة، ويقومون بضرب السعر الحالي مع الربح الفاحش بقيمة الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي، فالبيضة بـ /10 ل.س/، ولا أدري ما علاقة البيضة بالدولار إذا كان الديك سورياً ودجاجته سورية، وبالتالي البيضة سورية مائة بالمئة؟.
وانتقلت عدوى الآلات الحاسبة إلى مجتمع البسطجية والباعة المنتقلين مع يقيني أن معظمهم لم يدرس الاقتصاد ولا إدارة أعمال ولم يختصوا بمادة المحاسبة المالية، لكن الأزمات وغياب الدولة يعـِّلم الناس بسرعة، ومن الممكن التفاخر الآن أنه في بلدي تَعـّلَم غير المتعلـّم أرقى أشكال الحساب وتحويل العملات أسرع من كل مراكز محو الأمية ومعاهد الثقافة الشعبية ودورات الحواسيب التي كانت تقيمها المنظمات الشعبية.
مبروك .. لقد دخلت الأتمتة لعقولنا وقلوبنا وحياتنا من أسوأ أبوابها. ولابد من التذكير أن السوّاح الجدد لا يتقيدون بنشرة المصرف المركزي لسعر صرف الدولار الأمريكي، بل ملتزمون بشكل حديدي بالسعر الموجود في السوق السوداء التي بدأت تبيّض شيئاً فشيئاً.
الحق على أمريكا ودولارها في ما وصلت إليه أسعارنا، فلو أنها تخفـّض قيمة دولارها لتحسّنت أحوالنا، ماذا نفعل مع هؤلاء الأمريكان المتآمرين علينا ليلاً نهاراً، لا تظلموا الحكومة!!.
لكن الملفت للنظر أن سوّاحنا الجدد سبقوا السوّاح الأصليين في سياحتهم، لأن أسعارهم المحسوبة إن ارتفعت فلا تنزل حتى لو نزل الدولار الأمريكي، حتى وصلنا لدرجة أن بعض أسعار منتجاتنا وحاجاتنا الأساسية أصبحت أغلى من مثيلاتها عند الأجانب، وهذا أيضاً انتصار لنا أننا غلبناهم في أسعارهم وأين؟ في عقر دارهم.
كنت ولا زلت على يقين بأن ما تمر به سورية ليس سهلاً وليس مؤقتاً، بل القصة طويلة جداً وحزينة جداً، لأن التجار بدؤوا يربحون الكثير وليس من السهل بالنسبة لهم العودة للأرباح المنطقية والمقبولة، وليس من مصلحتهم بالتالي التضحية بأرباحهم الفاحشة مقابل سلامة الوطن.
كمواطن أطالب أيضاً حكومتي الغائبة الحاضرة بحمل آلات حاسبة وضرب وطرح وجمع وتقسيم رواتبنا وأجورنا مقابل الدولار الأمريكي حتى يستقيم حالنا، أما أن يبقى المواطن بالسوري والتاجر بالأمريكي، فنخشى أن يصبح الوطن سلة عملات، وما هكذا تبنى الأوطان.
وأنا متأكد أيضاً أننا سنسمع في الأيام القادمة قرارات حكومية تدعم تاجر الدولار، وتتناسى المواطن، ويصبح كل ما كتبناه وقلناه كالقفز في الهواء، والقفز في الهواء لا ينتج سوى السقوط الحرّ ولكن أين؟..
عادل معصوم عمر